على هامش مؤتمر غازتك 2025 في ميلانو، جلس وزير النفط والغاز، خليفة عبدالصادق، في لقاء ثنائي مع وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت. حديث بدا في ظاهره تقنيًا بشأن الاحتياطيات الضخمة التي تختزنها ليبيا ومناطقها الواعدة للاستكشاف، لكنه يكشف عمّا هو أبعد؛ فواشنطن ترغب في ترسيخ حضورها داخل واحد من أكثر الملفات حساسية في البلاد.
أكد عبدالصادق أن ليبيا يمكن أن تكون وجهة استثمارية جاذبة، فيما شدّد رايت على دعم بلاده لجهود الاستقرار والتنمية، وعلى أهمية فتح قنوات تواصل مباشرة بين طرابلس وواشنطن. فهل الأمر مجرد دبلوماسية طاقة، أم رسالة سياسية من الولايات المتحدة لانتزاع موطئ قدم استراتيجي في قلب قطاع النفط الليبي؟
حدود اللعبة
قبل أيام قليلة من مؤتمر ميلانو، كانت روما مسرحًا للقاء مختلف جمع مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، مع مستشار رئيس الحكومة إبراهيم الدبيبة، ونائب “القائد العام” صدام حفتر. وقدّم بولس ثلاثة شروط اعتبرتها تقارير فرنسية خطوطًا حمراء لواشنطن.
في مقدمة هذه الشروط، ملف المؤسسة الوطنية للنفط. بالنسبة للأميركيين، هي بوابة النفوذ وأداة الموازنة في مواجهة تمدد موسكو وبكين. وأرادت واشنطن أن تضمن استقلال المؤسسة عن الاستقطاب السياسي الداخلي، مستندة إلى خبرة الشريك الإيطالي ومصالحه الممتدة في قطاع الطاقة الليبي.
الاستقلال والسيادة
اختيار بولس التعامل مع المؤسسة ككيان مستقل عن الحكومة لم يمرّ دون جدل. فحكومة طرابلس ترى المؤسسة جزءًا من سيادتها، بينما تخشى أطراف الشرق من تهميشها. وهكذا تحولت المؤسسة الوطنية للنفط من مجرد ذراع إنتاجية إلى ساحة صراع سياسي ـ اقتصادي، تستغلها القوى الكبرى لتثبيت مواقعها في لعبة النفوذ.
الطاقات المتجددة
لم تقتصر الاتصالات الليبية ـ الأميركية على ملف النفط التقليدي. ففي أبريل الماضي، بحث خليفة عبدالصادق مع مسعد بولس فرص الاستثمار في مشاريع الطاقات المتجددة، في ظل توجه ليبيا نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط وحده.
اللقاء تطرّق أيضًا إلى تطوير الشراكات في قطاعي النفط والغاز، وانتهى بالتأكيد على ضرورة استمرار التنسيق الفني والاستثماري بين المؤسسات الليبية والأميركية، وفتح آفاق جديدة للتعاون تخدم مصالح البلدين.
صفقات تمهيدية
لم تقتصر الإستراتيجية الأميركية على الخطاب السياسي؛ ففي أغسطس، وقّعت المؤسسة الوطنية للنفط مذكرة تفاهم في لندن مع شركة أميركية كبرى لإجراء دراسات فنية لأربع قطع بحرية في الساحل الشمالي الغربي وحوض سرت، خطوة وُصفت بأنها مقدمة لعودة الشركات الأميركية، وعلى رأسها “إكسون موبيل”، إلى قطاع الاستكشاف الليبي عبر جولة عطاء شملت 22 قطعة برية وبحرية.
وبالتوازي، عززت شركة “هيل إنترناشيونال” الأميركية حضورها بتوقيع عقد استشاري بقيمة 235 مليون دولار مع شركة مليتة للنفط والغاز، لإدارة مشروع تبلغ قيمته 8 مليارات دولار، يستهدف زيادة صادرات ليبيا من الغاز وتعزيز أمن الطاقة.
السياسة والاستثمار
هكذا تتضح ملامح الإستراتيجية الأميركية: دعم سياسي تحت عنوان الاستقرار، ومقاربة اقتصادية تركّز على إعادة إدماج الشركات الأميركية في قطاع الطاقة، مع السعي لموازنة النفوذ الروسي ـ الصيني المتنامي. وفي قلب كل ذلك، تقف مؤسسة النفط كفرصة كبرى ومفتاح لإعادة توزيع الأدوار بين الداخل والخارج.
ما بين لقاء ميلانو ورسائل روما وصفقات لندن وطرابلس، تبدو ليبيا اليوم أمام مشهد تتقاطع فيه حسابات السياسة بالنفط، ويُرسم فيه مستقبلها الطاقي بمداد أميركي ـ إيطالي، وسط تنافس دولي محتدم على المخزون الليبي في باطن الأرض.