Home Featuredالعنف في الشخصية الليبية: حين تضعف الأطر الناظمة

العنف في الشخصية الليبية: حين تضعف الأطر الناظمة

by هبة العماري

يُبرز الدكتور رمضان بن طاهر  المنخصص في علم الاجتماع، في مقالته، أن العنف يعد من أكثر الظواهر الاجتماعية التباسًا في تفسيرها، إذ لا يمكن النظر إليه كطبع متأصل في مجتمع بعينه أو كخلل فردي، بل كطاقة انفعالية كامنة في كل مجتمع، تضبط وتوجه من خلال الأطر الثقافية والمؤسساتية الناظمة. فحين تكون هذه الأطر قوية – كالقانون، والعرف، والتعليم، والأسرة، والعدالة الاقتصادية – تهذب الانفعالات وتتحول إلى طاقة بناء. لكن عندما تضعف أو تتفكك، تفلت الطاقة من ضوابطها، فيتحول الانفعال إلى عنف.

في ليبيا، يمكن تتبع هذه الدينامية عبر مسار طويل من التحول الاجتماعي والسياسي. فالبنية القبلية التقليدية، رغم ما حملته من نزعة انتماء ضيقة، أدت في فترات معينة وظيفة ضبط اجتماعي للعنف. إذ كانت القيم والعلاقات القرابية تحدد متى يستخدم العنف، ولأي غرض، وتمنع تحوله إلى فوضى. غير أن هذا النظام لم يكن متماسكًا تمامًا؛ فقد كبح العنف داخل الجماعة، لكنه غذاه في التنافس بين الجماعات الأخرى.

خلال زمن الاستعمار تحولت هذه الطاقة الانفعالية الكامنة إلى مقاومة وجهاد ضد المحتل، وهو عنف مشروع في سياقه التاريخي. غير أن ذلك الاندفاع الذي وحد الجماعات ضد الخارج كان يخفي في داخله استعدادًا كامنًا للصراع الداخلي، غذته ظروف الفقر والندرة وضعف المركز السياسي.

ففي تلك الحقبة لم تكن ثمة دولة وطنية مركزية تضبط العلاقات بين الجماعات، بل كانت السلطة موزعة بين القبائل والطرق الدينية تحت إدارة استعمارية أجنبية، الأمر الذي جعل المجتمع يعيش فراغًا سياسيًا تغيب فيه السلطة الجامعة، وتبرز فيه العصبيات المحلية كبديل للدولة.

ومع قيام الدولة الملكية، جرى لأول مرة توجيه هذه الطاقة نحو البناء ومحاولة تجاوز البنية القبلية إلى بنية وطنية جامعة. غير أن قصر المدة وضعف البنية الصناعية وغياب قاعدة قوية للمجتمع المدني جعل تلك المحاولة هشة، فظلت القبيلة كامنة تحت جلد الدولة تنتظر لحظة العودة.

ثم جاء نظام القذافي ليعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على نحو عكسي، إذ أعاد توزيع السلطة والثروة على أسس قبلية وجهوية، وجعل الولاء القبلي أداة للبقاء السياسي. وهكذا تحول النظام إلى منتج يعيد تدوير القيم التقليدية السلبية في بنية الدولة، ويقوي حضور العصبية على حساب الكفاءة والجدارة. ومن هنا بدأ الانقسام الاجتماعي يتغلغل داخل القبيلة الواحدة، فأصبح الانتماء إلى الجماعة أقوى من الانتماء إلى الدولة، وتحول النظام السياسي نفسه إلى سلطة تعيد إنتاج الو لاءات لا المؤسسات.

ومع سقوط النظام عام 2011، وانهيار السلطة المركزية تفككت الأطر التقليدية والمؤسساتية معًا، وظهرت ولاءات جديدة تتغذى على السلاح والانقسام والبحث عن الموارد. وهنا انفجرت الطاقة الانفعالية التي كانت مضبوطة سابقًا في أشكال متعددة من العنف: من الصراع المسلح بين المناطق، إلى خطاب الكراهية في الإعلام ومواقع التواصل وممارسة الإقصاء الاجتماعي. ونتيجة غياب العدالة الاقتصادية، أصبح العنف وسيلة للبقاء لا مجرد رد فعل ظرفي.

ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن العوامل الخارجية، إذ ساهمت التدخلات الإقليمية والدولية في إعادة تشكيل مسارات الصراع الليبي، ما جعل العنف المحلي جزءًا من شبكة أوسع من التنافس على النفوذ. وهكذا تداخلت الطاقات الداخلية مع الضغوط الخارجية في إنتاج دورة عنف جديدة يصعب تفكيكها.

كما أن ممارسات العنف تختلف بين الأجيال. فالكبار الذين عاشوا الدولة المركزية يفهمون العنف في شكله المادي المباشر أو في حدود تقليدية ضيقة ، بينما يمارسه الشباب اليوم بطرق رمزية في الفضاء الرقمي عبر خطاب الكراهية والإقصاء والتنمر على وسائل التواصل الاجتماعي. إنها أشكال جديدة من العنف غير المسلح، لكنها لا تقل أثرًا في تمزيق النسيج الاجتماعي.

إلى جانب ذلك، كان اقتصاد الريع النفطي أحد العوامل البنيوية المؤثرة في التوازن الاجتماعي، فهو نظام يعتمد على مصدر دخل واحد لتغطية نفقات الدولة والمجتمع، بدل أن يقوم على الإنتاج والعمل المستمر.

في مراحل مختلفة، ساعد هذا النظام الاقتصادي على تحقيق نوع من الاستقرار الاجتماعي عبر توزيع الرواتب والدعم والمنافع العامة، فخفف مؤقتا من الصراعات والنزاعات.

لكن هذا الاستقرار كان سطحيًا وضعيف الأساس، لأنه لم يبن على إنتاج حقيقي أو توزيع عادل للثروة. مع مرور الوقت، تحول الاعتماد على الريع إلى عامل تعطيل: أضعف روح المبادرة والعمل، وجعل المجتمع يعتمد على الدولة في كل شيء، وأدى إلى هشاشة العلاقة بين الدولة والمواطن. وحتى محاولات السلطات المتعاقبة لاحتواء المشاكل والتوترات الاجتماعية عبر توزيع المنح ورفع المرتبات لم تكن كافية، إذ كشف حجم الفساد والتضخم وتفكك مؤسسات الدولة عن فجوات اقتصادية انعكست على العلاقات الاجتماعية، فبرز العنف كوسيلة للتعبير والتوتر والمنافسة على الموارد.

هنا يظهر الخلل البنيوي بوضوح: النظام الاقتصادي نفسه وليس الأفراد يخلق بيئة خصبة للصراعات والعنف، لأن توزيع الثروة وسلطة الدولة لم يعد مرتبطًا بالكفاءة أو العدالة، بل بالولاءات والضغوط الاجتماعية والسياسية.

وليبيا في ذلك ليست استثناء؛ فمجتمعات عربية أخرى مثل العراق واليمن وسوريا شهدت تحولات مشابهة، حيث أطلقت الفراغات المؤسسية الطاقة الانفعالية الكامنة وحولتها إلى صراع مفتوح. هذا يؤكد أن العنف ليس نابعًا من جوهر ثقافي بل من تآكل الأطر التي تنظمه وتمنحه المعنى.
ومن منظور سوسيولوجي. العنف ليس قدرًا محتومًا، بل نتاج خلل في توازن القوى بين الأطر الناظمة والطاقة الانفعالية داخل المجتمع. فحين تضعف الأطر الناظمة، تفقد الجماعة قدرتها على تحويل الانفعال إلى فعل اجتماعي منظم، فيطفو العنف كبديل عن النظام.

إن تجاوز هذه الحلقة لا يتحقق بالوعظ الأخلاقي ولا بالقمع الأمني، بل بإعادة بناء منظومة الأطر الناظمة في اتجاهين متكاملين: من القاعدة إلى القمة ومن القمة إلى القاعدة. فمن الأسفل تبدأ عملية التأطير في الأسرة التي تغرس الانضباط الذاتي، وفي المدرسة التي تزرع قيم المسؤولية والتعدد، وفي الإعلام الذي يعيد تعريف القوة باعتبارها وعيًا لا عنفًا.

ومن الأعلى، تقوم الدولة ومؤسساتها بترسيخ العدالة، وضمان المساواة أمام القانون، وتوزيع الفرص بشكل متكافئ، لأن غياب العدالة من القمة يفلت الانضباط في القاعدة.

وعند تحقق هذا التوازن العمودي، يمكن تحويل العنف من رد فعل على الفراغ إلى قوة للبناء وإعادة النظام، فيصبح المجتمع ذاته شريكًا في ضبط ذاته، وتتحول الدولة من سلطة قاهرة إلى منظومة راعية للوعي والمسؤولية المشتركة.

You may also like