شبكة الجهد العالي 400 ك.ف، التي كان يفترض أن تربط شرق ليبيا بغربها حتى طبرق، كانت أحد المفاتيح الكبرى لحل أزمة الكهرباء في البلاد. لكن المشروع، كسواه، لم يكتمل. كما تعثرت مشاريع التوليد الرئيسية: محطة سرت البخارية (1400 ميغا)، غرب طرابلس (1400 ميغا)، والزويتينة (200 ميغا). مشاريع كان يمكن أن تغيّر وجه الشبكة بالكامل لو اكتملت بحلول عام 2014.
ومع تعثر تلك المشاريع، استمرت الأحمال في الارتفاع. أضاف المواطنون طوابق جديدة لمنازلهم في ظل غياب التخطيط، كما وجدت مصانع من دول الجوار في رخص الكهرباء فرصة للانتقال إلى ليبيا. تضخّم الطلب، وتقلّص الإنتاج، فكانت النتيجة: انقطاعات متكررة، وصلت أحيانًا إلى أربع مرات يوميًا.
عندما تولّت حكومة السراج السلطة، حاولت كبح الانهيار. فتعاقدت على ثلاث محطات لتوليد 2000 ميغا (في طبرق، مصراتة، وغرب طرابلس)، في محاولة لسدّ عجز يتراوح بين 2000 و3000 ميغا. غير أن تلك الخطوة تجاهلت الزيادة السنوية المطّردة في الطلب – بين 300 و400 ميغا سنويًا – والتي كانت ترتفع بفعل الطفرة العمرانية، لتصل إلى 12% سنويًا. وهكذا، أصبحت الـ2000 ميغا غير كافية حتى قبل دخولها الخدمة.
رغم أن تنفيذ المشروع كان يفترض أن يُنجز خلال ثلاث سنوات، امتدّ العمل إلى سبع. فقد بدأ التصنيع نهاية 2019، لكن جائحة كورونا عطّلت وصول المعدات، ثم جاءت الحروب داخل طرابلس لتزيد الطين بلة: اعتداءات على محطة جنزور، وخطف عمال أتراك في مشروع أوباري، وتوقف العمل في مشاريع مترابطة.
في ظل هذه الظروف، صُرف نحو 3.1 مليار دينار، أُنفِق منها 2.5 مليار حتى منتصف عام 2022. لكن نتائج هذا الإنفاق لم تظهر فورًا؛ إذ إن استثمارات عامي 2020 و2021 لم تبدأ في إعطاء ثمارها إلا في 2023، عندما دخلت 2000 ميغا إلى الشبكة. لذلك، لا يمكن نسب هذا الإنجاز لذلك العام وحده، بل يعود الفضل إلى خطط وتعاقدات سابقة.
أُرصد أكثر من 107 مليارات دولار للكهرباء منذ عام 2012، لكن النتيجة؟ واقع يزداد سوءًا. بين 2012 و2017، وُقّعت عقود بقيمة 90 مليار، لكن ما صُرف فعليًا لم يتجاوز 30 مليار.
وفي عام 2024، سُجّل أعلى إنفاق سنوي بقيمة 12.4 مليار دولار، مقابل تعاقدات لم تتجاوز 2 مليار. وحتى منتصف 2025، لا يزال الصرف مستمرًا، لكن بأثر غائب. في المجمل، أنفق الليبيون 58.3 مليار دولار على الكهرباء… بلا كهرباء.
فهل كانت المشكلة في الأموال؟ أم فيمن أُوكلت إليهم إدارتها؟