رغم كون النفط يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الليبي ومصدر الدخل الأهم للدولة، فإن أداء القطاع خلال السنوات الأخيرة يثير تساؤلات واسعة بشأن كفاءة الإدارة وجدوى الإنفاق وتأثير التدخلات السياسية.
فعلى الرغم من الميزانيات والدعم الحكومي المستمر، ما يزال القطاع يواجه تحديات هيكلية وإدارية تعرقل تطوره وتحدّ من قدرته على رفع الإنتاج أو جذب الاستثمارات بالشكل المطلوب.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه مؤسسة النفط عن خطط توسعية وطموحات إنتاجية كبيرة، تكشف الوقائع عن تباطؤ واضح في التنفيذ واستمرار مظاهر الهدر والتداخل السياسي داخل مؤسسات القطاع.
أموال الإنتاج
رغم الميزانيات الضخمة التي حصلت عليها مؤسسة النفط خلال الأعوام الماضية، أعلن رئيسها مسعود سليمان عن نية المؤسسة طلب قرض من مصرف ليبيا المركزي لتمويل زيادة إنتاج النفط الخام، وذلك خلال مشاركته في مؤتمر أبوظبي للطاقة (أديبك) في الخامس من نوفمبر الجاري، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
سليمان أكد أن المؤسسة تخطط للحصول على تمويل من المصرف المركزي، إلى جانب استقطاب استثمارات خارجية ضمن خطتها لرفع الإنتاج.
ورغم هذه التصريحات، فإن النتائج الفعلية على أرض الواقع لا تعكس حجم الإنفاق المعلن، إذ لم يشهد القطاع أي زيادة واضحة في الإنتاج المحلي، رغم التصريحات المتكررة منذ سنوات لم تُترجم إلى إنجازات ملموسة.
اتهامات الفساد
تظهر البيانات المنشورة من المصرف المركزي أن القطاع النفطي تلقى مخصصات مالية كبيرة خلال السنوات الماضية، بدعوى تطوير الحقول ورفع القدرة الإنتاجية وتحسين البنية التحتية، غير أن الواقع يعكس بطءًا شديداً في تنفيذ المشروعات، مع استمرار الاعتماد على حقول قديمة تعاني ضعف الصيانة والتقادم الفني.
وخلال النصف الأول من العام الجاري 2025، تجاوزت الأموال المهدورة في قطاع النفط قرابة 769 مليون دينار ليبي و140 مليون دولار أمريكي، وفق بيانات القضايا والتجاوزات التي نشرها مكتب النائب العام، من دون أن تظهر مؤشرات واضحة على استرداد هذه الأموال أو محاسبة المتورطين خارج المسار القضائي.
تدخلات سياسية
يعاني قطاع النفط من تضخم في التعيينات الإدارية والفنية دون مردود إنتاجي ملموس بحسب تعليق ونشر مجموعات نشطة في وسائل التواصل الاجتماعي مهتمة بالقطاع، ما أثقل كاهل الميزانية التشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط بحسب قولهم.
كما أن تدخل أطراف سياسية في عمل المؤسسة والشركات التابعة ربما أدى إلى اختلالات في النظام الإداري والتشغيلي، وانعكس سلباً على استقرار القرارات الفنية والاستثمارية، وهو ما يفسر حالة الجمود التي يعيشها القطاع رغم توفر الإمكانات المالية.
استثمارات جامدة
وعلى الرغم من توقيع المؤسسة اتفاقيات مع شركات عالمية وتنظيم جولات عطاءات دولية خلال الأعوام الأخيرة، فإن تأثيرها الفعلي في زيادة الإنتاج لا يزال غائباً بسبب تأخر توقيع الاتفاقيات وإتمام الإجراءات القانونية ودخول الشركات إلى مناطق الاستكشاف فعليا.
تقلبات السوق
قد يؤدي أي انخفاض محتمل في أسعار النفط عالمياً إلى انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الليبي، في ظل الاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية لتغطية النفقات العامة، وغياب سياسات واضحة لتنويع مصادر الدخل أو إدارة فعالة للاحتياطي النقدي.
أمام هذه المعطيات يبدو أن مؤسسة النفط تقف على مفترق طرق حقيقي بين الحاجة إلى إصلاح إداري ومالي شامل يعيد الثقة والكفاءة إلى القطاع، وبين استمرار النهج القائم الذي يؤدي إلى مزيد من الهدر والتراجع في الأداء، ويبقى السؤال الأبرز.. هل تكفي القروض والميزانيات الضخمة لرفع الإنتاج؟ أم أن المشكلة أعمق في البنية الإدارية والرقابة والمساءلة داخل أهم قطاع اقتصادي في ليبيا؟