يعيش الليبيون داخل فضاء يشبه «الكهف الأفلاطوني» حيث تتحرك الظلال على الجدران وتقدم على أنها حقائق. في هذا الكهف لا تتحدد السياسة بالوقائع بل بالتصورات التي صنعت عبر سنوات من الانقسام. وكلما طال الانتظار ازدادت قوة الأوهام التي تبقي البلاد أسيرة لحظتها.
الوهم الأول: الاعتقاد بأن إدارة الانقسام أفضل من مواجهته أو يمكن السيطرة عليه عبر عقد صفقات لحظية مالية واقتصادية بين أطراف الانقسام. ليبيا تعيش في منطقة رمادية: لا وحدة تبنى ولا صدام يحسم بل هدنة هشة تعتمد على تبادل المنافع المؤقتة. لكن هذه الإدارة المؤقتة لا تحل الأزمة بل تؤجل الكارثة وتحافظ على جذور الانقسام التي تلتهم الأعماق مع مرور كل يوم.
الوهم الثاني: الاعتقاد بأن التوازنات السياسية القائمة يمكن أن تقوم مقام الدولة. هذه التوازنات ليست انسجاما بل تجميدا للصراع وليست استقرارا بل هدنة مؤقتة تمكّن كل طرف من حماية مصالحه. التوازن بلا مشروع وطني واضح ليس استقرارا بل تأجيل للفوضى.
الوهم الثالث: الاعتقاد بأن ( الحل الليبي الليبي) يمكن أن يخرج من مؤسسات الدولة القائمة مثل مجلس النواب ومجلس الدولة التي لم تعد تمثل إرادة الشعب بل إرادة أطراف محددة، هذه المؤسسات أعادت إنتاج الأزمة نفسها وتحولت جلساتها إلى مرايا للخصومة وأدوات للمساومة لا منصات لإنتاج رؤية وطنية.
الوهم الرابع: الاعتقاد بأن الزمن سيحل ما لم يحله الفعل. مرور السنوات دون مشروع وطني كامل يحوّل الانتظار إلى أداة لتفاقم الانقسامات والفوضى وليس لتخفيفها.
الوهم الخامس: الاعتقاد بأن ليبيا غنية بالموارد الاقتصادية الضخمة وأن تغيير الأشخاص أو الحكومات وحده يكفي لحل الأزمة الاقتصادية. الحقيقة أن الحل لا يكمن بتغيير القيادات فقط بل يحتاج إرادة أطراف أكثر فاعلية تكنوقراط وخبراء ليبيون لديهم سلطة الاستشارة ورؤية اقتصادية وطنية واضحة وواحدة ومكافحة حقيقية للفساد. الموارد النفطية والغازية الهائلة تجعل البلاد غنية بالإمكانات لكنها أيضا تجعل الاقتصاد هشا والاعتماد على الريع عميقا والإدارة غير الفعالة تحول هذه الثروات إلى مصدر للصراع والفساد.
الوهم السادس: الاعتقاد بأن الفساد مقتصر على النخبة الحاكمة. الواقع أن الفساد منظومة ثقافية واجتماعية تشمل الموظف الغائب عن العمل و البائع الذي يغش في الميزان و من يحصل على رشوة والتاجر الذي يدفع رشوة مقابل الحصول على عقد عمل أو اعتماد مصرفي بالعملة الصعبة والنخبة التي تستغل المناصب لصالح مصالحها الخاصة. مواجهة الفساد تتطلب إصلاحا شاملا لمنظومة القيم والممارسات وليس مجرد محاسبة النخبة.
الوهم السابع: الاعتقاد بأن البعثة الأممية هي سبب كل مشاكلنا وأنه لولاها لكنا متحدين ودولة مستقرة. الحقيقة أن غياب الإرادة المحلية يجعل أي مبعوث عاجزا عن إيجاد تسوية حقيقية للعقدة الليبية كما فشل جميع المندوبين السابقين من مختلف الجنسيات و المشهود لهم بالتجربة الأممية في العديد من دول النزاع. المسؤولية الأساسية لإنتاج الحلول تقع على الليبيين أنفسهم والاتهام المباشر للبعثة الأممية يغطي على الفشل المحلي في توحيد الرؤية وبناء الدولة.
الوهم الثامن: الاعتقاد بأن التدخلات الخارجية جاءت فرضا من الخارج وأن الليبيين مجرد ضحايا لهذه التدخلات فقط متناسين حقيقة أن قادتهم السياسيين أنفسهم هم من جلبوا التدخلات واستغلالهم لها ساعد على استمرار الانقسام وبقاء الوضع كما هو بينما الشعب يدفع الثمن.
الوهم التاسع: الاعتقاد بأن الإصلاح يحدث بمجرد توحيد المؤسسات. الحقيقة أن توحيد المؤسسات مهم لكنه وحده لا يكفي دون رؤية وطنية موحدة وإعادة هيكلتها لتكون قادرة على مواجهة التحديات. ليبيا تعاني انقساما وفشلا مؤسسيا عميقا وإعادة بناء المنظومة الإدارية والمؤسساتية ضرورية لضمان إدارة الدولة بفعالية وتحقيق التنمية المستدامة.
خروج ليبيا من كهفها لا يحتاج معجزة بل شجاعة معرفية قبل الشجاعة السياسية: القدرة على الاعتراف بأن ما يبدو “استقرارا” ليس إلا وقفا مؤقتا للنزيف وأن ما يبدو “توازنات” ليس إلا جدارا هشا وأن (الحل الليبي الليبي) لا يمكن أن يخرج من مؤسسات صممت لخدمة مصالح محددة وأن الفساد منظومة واسعة وأن الموارد وحدها لا تكفي دون رؤية واضحة وإرادة فعالة وأن أي دور أممي يظل عاجزا بلا إرادة وطنية حقيقية وأن التدخلات الخارجية لم تفرض بالقوة بل استدعيت عبر خيارات قيادات سياسية وأن المؤسسات الحالية بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة مع رؤية وطنية موحدة.
الحقيقة ليست في الظلال على جدار الكهف بل في الضوء الذي ينتظر خارج الكهف. ومن يجرؤ على مواجهته يملك فرصة إعادة رسم مستقبل البلاد.
حسام محمود الفنيش
أوهام الكهف الليبي: حل الأزمة أم تأجيل الانهيار؟
أوهام الكهف الليبي: حل الأزمة أم تأجيل الانهيار؟
682