Home Featuredالضريبة بين الحق في الخدمة العامة وعبء الفساد المالي

الضريبة بين الحق في الخدمة العامة وعبء الفساد المالي

الضريبة بين الحق في الخدمة العامة وعبء الفساد المالي

by اسماعيل كمال

تُعد الضريبة من أبرز مصادر تمويل الميزانيات العامة في أغلب دول العالم، إذ تمثل ما يقارب 90% من الإيرادات الحكومية. وأساس الضريبة هو اقتطاع جزء من أموال الأفراد لصالح الدولة مقابل تحقيق منفعة عامة.

هذا الاقتطاع كان محور صراع طويل بين الشعوب والحكّام، الأمر الذي دفع إلى إرساء قاعدة دستورية مفادها “لا ضريبة إلا بقانون”، ولا يجوز الإعفاء منها إلا بقرار تشريعي يصدر عن السلطة التشريعية. كما استقرت قاعدة أخرى تؤكد أن الهدف من فرض الضريبة هو تحقيق النفع العام، وهو ما يشكل حتى اليوم محور جدل متجدد بين المواطنين والحكومات، حيث يرى كثيرون أن ما يدفعونه لا ينعكس في خدمات حقيقية.

وللحد من هذه الإشكالية، أصبح لزاماً على الدول إدارة نشاطها المالي وفق قواعد منضبطة، تقوم على إعداد موازنة عامة تحدد فيها النفقات والإيرادات، بحيث تُقدَّر النفقات أولاً، ثم تُوفَّر لها الموارد اللازمة من الضرائب والرسوم وغيرها، بما يمكّن الحكومات من تقديم خدمات أفضل، وتقليل الأزمات المالية.

غير أن هذا الإطار لا ينطبق تماماً على الحالة الليبية، فالاعتماد الأساسي للخزانة العامة في ليبيا هو على الإيرادات النفطية مع مساهمة محدودة من الضرائب والرسوم، وخلال السنوات الأربع عشرة الأخيرة ظهرت اختلالات مالية حادة نتيجة الإنفاق غير المنضبط، ما أدى إلى عجز الدولة عن تدبير نفقاتها وتضخم الدين العام. في هذا السياق برزت محاولات لتحميل المواطن عبء هذا العجز، مع خطاب رسمي يحمّل المواطن مسؤولية الخلل الاقتصادي فرئيس الحكومة يقول (الشعب ياكل بلاش ومايبيش يدفع) ومجلس نواب يفرض ضريبة على مبيعات النقد الأجنبي لتغطية العجز، وآخرون ممن يسمون أنفسهم رجال أعمال يتهمون المواطن ومطالبته بتحمل عبء عجز الفساد المالي.

لا شك أن فكرة المجانية شبه معدومة عالمياً، وأن المواطنين في الدول الأخرى يدفعون مقابل الخدمات التي يحصلون عليها –من ماء وكهرباء وطرق– لكن ذلك يقترن دوماً بجودة عالية للخدمات المقدمة وتناسبها مع قيمة الضريبة. فلا يُتصوَّر أن يُفرض رسم على استعمال المياه ثم يشرب المواطن ماءً ملوثاً.
إن طلبات المواطن الليبي واضحة وتتمثل في خدمات أساسية لا ترفيهية: صحة شاملة وأدوية متوفرة، تعليم لائق، خدمات عامة جيدة كالمياه والكهرباء والمواصلات، فرص عمل، وسكن مناسب، إضافة إلى الأمن والاستقرار. وهذه كلها حقوق مقابل ما يُقتطع من أموال الشعب، وليست مِنَّة من الحكومة.
إن الحكومة الرشيدة تبدأ دائماً بتقدير نفقاتها بدقة قبل البحث عن الإيرادات، لأن التقدير الخاطئ يقود إلى تمويل بالعجز، وإلى أزمات مالية متكررة. وقد أظهر بيان مصرف ليبيا المركزي في 07/04/2025 توسعاً خطيراً في الإنفاق الحكومي لدى حكومتَي الشرق والغرب، ما يهدد بتعثر الدولة مالياً.

ورغم محاولة المصرف علاج الموقف بتعديل سعر الصرف، بقيت النتيجة تحميلاً غير مباشر للمواطن. والأخطر أن معظم هذا الإنفاق يتم خارج إطار الموازنة ومن دون سند قانوني، ومن هذا المنطلق يُطرح تساؤل مشروع: هل يُعقَل أن يتحمل المواطن الليبي نفقات الفساد المالي الحكومي وسوء تدبيرها؟ الجواب المنطقي لا، فالنفقات التي لا تحقق منفعة عامة لا تُعدّ نفقات عامة بالمعنى الصحيح، ولا يجوز تمويلها من أموال الشعب.

ويتطلب التنظيم المالي السليم التزام المؤسسات الحكومية بمبادئ واضحة أهمها استهداف أكبر قدر من المنفعة للمجتمع، وترشيد النفقات، وزيادة إنتاجيتها عبر التوجه نحو الإنفاق الاستثماري الذي يخلق إيرادات جديدة ويحفز الاقتصاد ويوفر فرص عمل، بدلاً من الإنفاق الاستهلاكي غير المنتج.

إن خطورة الوضع تزداد حين نطالع بيانات عن مليارات تُستنزف في اعتمادات مستندية لشركات خاصة لاستيراد مواد أساسية كان الأجدر استثمارها في الداخل لبناء مصانع وتشغيل الأيدي العاملة. وفي المقابل ما تزال المستشفيات عاجزة عن تقديم الخدمات، والطرق متهالكة، والأدوية مغشوشة، بينما يطالب البعض بالإصلاح الذي يبدأ من جيب المواطن لا من جيوب المسؤولين.

الحل الحقيقي يكمن في مواجهة الفساد المالي المستشري في الحكومتين شرقاً وغرباً، وإعادة توجيه الإنفاق العام إلى مشروعات استثمارية تزيد إيرادات الدولة وتخلق فرص عمل، وتطوير خدمات التعليم والصحة على أعلى المستويات، ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن دور المواطن في المساهمة الضريبية، فالعلاقة بسيطة وعادلة: المواطن يدفع في مقابل خدمة ومنفعة حقيقية، لا في مقابل سوء إدارة أو فساد مالي.

You may also like