لم يعد ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا مجرد قضية أمنية أو إنسانية، بل تحول في الأسابيع الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الشارع الليبي، وسط تنامي المخاوف من تزايد أعداد المهاجرين وانتشارهم في عدد من المدن، وتبادل التحذيرات بين المؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية بشأن تداعيات الخطاب المتصاعد حول القضية.
وفي خضم هذا الجدل، رسم مجلس النواب موقفا حاسما بإعلانه رفض أي مشاريع أو تفاهمات، معلنة أو غير معلنة، قد تقود بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى توطين المهاجرين داخل البلاد، في رسالة جاءت متزامنة مع حالة من الاحتقان الشعبي المتنامية تجاه الملف.
وتتصاعد شكاوى المواطنين في عدد من المناطق من اتساع تجمعات المهاجرين داخل الأحياء السكنية والأماكن العامة، بينما شهدت طرابلس ومدن أخرى وقفات احتجاجية ومظاهرات طالبت بترحيل المهاجرين ورفض أي ترتيبات قد تُبقيهم داخل ليبيا بصورة دائمة، بالتوازي مع حملات أمنية استهدفت أوكارا وتجمعات للمهاجرين في عدة مناطق.
وزارة الخارجية بحكومة الوحدة سارعت بدورها إلى تجديد رفضها لأي توجه نحو التوطين، مؤكدة متابعتها لما يُتداول بشأن الملف عبر منصات التواصل الاجتماعي وما يرافقه من تفاعلات ومخاوف شعبية.
في المقابل، أبدت الأمم المتحدة في ليبيا قلقها من عودة انتشار المعلومات التي وصفتها بالمضللة والخطابات التحريضية المرتبطة بقضية الهجرة، محذرة من أن بعض السرديات المتداولة قد تؤدي إلى تأجيج التوترات وتعميق التمييز والعنف ضد فئات بعينها.
وزاد الجدل بعد تصريحات للمجلس الاجتماعي لمنطقة السراج تحدث فيها عن إصدار بطاقات لجوء لمهاجرين داخل ليبيا من منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة، معتبرا ذلك مؤشرا على مساع لإبقاء المهاجرين داخل البلاد، ومطالبا السلطات بتوضيح سياساتها تجاه هذا الملف الحساس.
وتأتي هذه التطورات بينما تعود ليبيا مجددا إلى قلب النقاشات الأوروبية بشأن الهجرة، بعد تقارير تحدثت عن مقترحات لإقامة مراكز عودة للمهاجرين المرفوضة طلبات لجوئهم خارج حدود الاتحاد الأوروبي، ضمن توجه أوروبي يسعى إلى نقل جزء من أعباء إدارة الهجرة إلى دول العبور.
أما المخاوف المحلية، فقد عززتها تصريحات سابقة لوزير الداخلية عماد الطرابلسي، الذي أشار إلى أن نسبة كبيرة من المرحّلين كانوا من العائلات، معتبرا أن وجود أسر كاملة بين المهاجرين يثير تساؤلات تتجاوز فكرة العبور المؤقت نحو احتمالات الاستقرار طويل الأمد.
ومع تقديرات دولية تتحدث عن وجود مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين داخل ليبيا، يبقى الملف عالقا بين الضغوط الأوروبية والهواجس المحلية والتحذيرات الأممية، في وقت تبدو فيه البلاد أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا على المستويين السياسي والاجتماعي.