الشباب الليبي بين إرث الإقصاء، وفوضى ما بعد الثورة، وغياب الاحتواء المؤسسي
في ليالي طرابلس، حيث يهمس البحر بأسراره خلف أسوار المدينة العتيقة، وبنغازي التي ترقب منارتها البحر بصمت مهيب، وصولا إلى سكون سبها، حيث تعانق النخيل كبد السماء بصبر أليم؛ يتسلل إلى الروح صقيع غائر يلف خلجات جيل بأكمله، ويوصد الأبواب أمام تطلعاته، جيل ولد في أحضان “الغياب”، وشبّ في مخاض الثورة، ثم ألفى نفسه تائها في فضاء مجهول، لا أرض تقله ولا سماء تظله.
الشاب الليبي الذي طالما تغنّوا به كفجر منتظر للأمة، يكابد اليوم شتاء سياسيا عقيما، صنعه سدنةُ المشهد الذين استأثروا بالقرار وتركوا الفتات للوعي، وهذا الجرح الذي يدمي خاصرة الوطن لن ندرك كنه دوائه ما لم نوقن بأننا في قلب حرب شعواء؛ حرب على الوعي، وسطو على المستقبل، ومعارك حامية الوطيس تتخطفنا في كل ميدان.
عصور الظلمة وإرث القيد
لو رجعنا بالبصر كرّتين إلى الوراء، لرأينا كيف بدأت مأساة التغييب، فمنذ عقود خلت، أكرهت الساحة السياسية الليبية على الركود في قفص حديدي لا ينفذ إليه نور، كان “الصوت الواحد” هو الأب الشرعي والرب الأعلى للمجال العام، وكانت الأحزاب والانتظامات السياسية إثما مجرّما يستوجب النكال، تصوروا أمة يحظر على أبنائها مجرد التفكير في التنظيم، أو الحلم بالانضواء تحت راية مشروع سياسي جماعي!.
ورث أبناء جيلي، التسعينيات ومطالع الألفينات، هذا القيد كأنه قدر مقدور، وتحولت المناهج التعليمية إلى بيئة قاحلة لا نبت فيها لفكر نقدي أو تحليل سياسي، غُيّبنا عن أبسط حقوقنا، وجُهّلنا بواجبات الحاكم حيال المحكوم، وأهمية الذود عن الشأن العام، فكانت النتيجة فراغا فكريا ومؤسسيا عميقا، ترك الشباب نهبا للتيارات الجارفة.
فجر فبراير.. حرية مبتورة
ثم أطلّت ثورة فبراير كبشرى أمل لجيل متشوق للمشاركة والظهور، فظن الحالمون أن الأبواب ستشرع على مصاريعها لبناء دولة قوامها المؤسسات، وسماء يحلق في أفقها الشباب، ولكن، ما إن انقشع الغبار حتى وجد الشباب أنفسهم في فضاء من الحرية، لكنه فضاء فوضوي مريع، نعم زالت القيود الثقيلة، وغدا التعبير الفردي ممكنا، بيد أن هذه الحرية المبتورة لم تكن لتكفي، إذ لم يُبنَ وراءها جسر متين يعبر بالشباب نحو العمل المؤسسي المنظم.
صخب العوالم الافتراضية والوعي المشوّه
في هذا الفراغ المؤسسي الموحش، لم يجد الشباب بُدّا من الاتجاه إلى الفضاء الرقمي، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي هي الساحة الوحيدة البديلة، وميدان النزال الأوحد، هنا يتبارى الشباب في نثر الآراء، وتحليل الوقائع، في حوارات عاصفة كأنها زبد البحر.
وهل يغني هذا الصخب عن الحق شيئا؟
المأساة تكمن في أن هذا التفاعل في واد افتراضي، لا تجد له صدى في أرض الواقع، ومع غياب المدارس السياسية الرصينة، والأحزاب الفاعلة التي تعد محاضن للوعي، صار الشباب هدفا لسهام الروايات المضللة، وفريسة للتطرف بشتى ألوانه.
وهنا ينبثق الوعي المشوّه، الوعي الذي يقتات على الانفعالات العارضة، والذكاء الاصطناعي بخوارزمياته الصماء بات هو من يخط للشباب خريطة اهتماماتهم، ويصوغ عقولهم في قوالب جاهزة؛ وتلك لَعَمْري كارثة تهدد الوعي الجمعي للأجيال القادمة في مقتل.
طلاب العلوم السياسية.. يتامى على مائدة الدولة
وإن شئت دليلا على هذا الواقع المرير، فانظر إلى حال طلاب العلوم السياسية في جامعاتنا، نحن المتخصصون الذين يفترض أن نكون رواد الفكر السياسي، لا نجد حواضن ترعى غرسنا، أين البرامج التدريبية التي تصقل الملكات؟ وأين مراكز الأبحاث التي تمثل العقل المدبر للدولة؟ وأين المؤسسات التي تفتح أبوابها لننهل من معين التجربة؟ لا نجد إلا الفراغ، كل ما نأتيه من عمل حركي أو مبادرة واعدة يظل جهدا ذاتيا، يولد من رحم المعاناة وإصرار الطلاب، دون أن تمتد إليه يد الرعاية أو الاحتواء.
شعلة وسط الظلام
بيد أنه وسط هذه القتامة، ومن قلب قسم العلوم السياسية بجامعة طرابلس، ينبلج ضياء مبادرة “يوم التفاعل السياسي”، وهي محاكاة لاجتماع مجلس الوزراء حول “رؤية ليبيا 2030″، وتليها مناظرة سياسية، وتنتهي بمؤتمر صحفي يعرض الاستعلام الوطني حول قرارات اجتماع ذلك اليوم، يقدم فيه الطلاب نموذجا مصغرا للدولة المنشودة، هذه الروح، لو قدر لها أن تعمم وتدعم، لكانت ترياقا يحيي موات العمل السياسي في بلادنا.
كلمة الفصل.. مآلات التيه
غياب الحواضن السياسية نذير باستمرار الفوضى وتكريس للفراغ، وسيبقي الأمة مفتقرة إلى النخب التي هي عماد الدول، وهذه هي الطامة الكبرى التي تتربص بمستقبلنا، فنحن في معركة كبرى، والشباب هم درع هذه الدولة وسهمها النافذ، فإذا لم نضع خطة محكمة لاستثمار طاقاتهم، فلنعلم أن المتربصين بالوطن لديهم خطط ومكائد لاستخدامهم معولا للهدم.
فتوفير الحواضن سبيل مهم لإعلاء شأن السياسة النزيهة، وبغير هذا، سيبقى ربيع الشباب وئيدا في شتاء السياسة الطويل، ولن تجد ليبيا إلا التيه في دروب المجهول، وليعلم القائمون على الأمر، أن الأمة التي تهمل شبابها، ولا تصنع منهم قادة يسوسون الغد، هي أمة تخط بيديها وثيقة فنائها.
عمران الجهاني
كاتب وصحفي