تتجه شركات النفط الدولية للعودة إلى العمل في قطاع الطاقة الليبي، مع إطلاق ليبيا أول جولة عطاءات لاستكشاف وتطوير النفط منذ ما يقرب من عقدين، ووفقا لمجلة فورين بوليسي الأميركية، فإن شركات من مختلف أنحاء العالم، بينها شركات أميركية، تبدي اهتماما واضحا بهذه الجولة.
لكن التقرير يستبعد أن تشكل هذه الصفقات مكسبا حقيقيا للشعب الليبي في ظل نظام فساد متجذر استنزف الثروات النفطية للبلاد، وأدى إلى ارتفاع أسعار الوقود للمواطنين وتركهم يواجهون صعوبات يومية.
20 مليار دولار ضائعة
كشف تحقيق أجرته منظمة “ذا سنتري”، عن توسع هائل في عمليات تهريب البنزين والديزل بين عامي 2022 و2024 عبر منظومة دعم الوقود الليبية، متسببا في خسائر تقدر بنحو 20 مليار دولار خلال 3 سنوات فقط.
وبحسب التحقيق، بدأت المؤسسة الوطنية للنفط في عام 2021 مبادلة النفط الخام مباشرة بالوقود المستورد، دون أن تسجل هذه العمليات في الميزانية العامة، وأسفر ذلك عن قفزة ضخمة في واردات الوقود التي تضاعفت لتصل إلى نحو 41 مليون لتر يوميا بحلول أواخر 2024، رغم أن الاستهلاك المحلي لا يبرر هذه الكميات.
وتؤكد المنظمة أن أكثر من نصف هذه الكميات يهرب إلى الخارج، عبر مسارات بحرية وبرية.
شبكات التهريب
بحسب التحقيق، كان صدام حفتر هو القوة الرئيسية وراء توسع التهريب، مستغلا موقعه كوريث في “القيادة العامة” للسيطرة على التهريب البحري والطرق البرية المؤدية إلى إفريقيا.
ويُعد ميناء بنغازي المركز الأبرز لإعادة التصدير عبر وثائق مزورة وسفن “مظلمة” تحمل ملايين اللترات في كل رحلة، فيما يتولى “علي المشاي”، وهو ضابط تابع لصدام، دور “الحارس” لهذه الشبكة.
وفي الغرب الليبي، يتقاسم أمراء الحرب نصيبهم من الأرباح، بينهم “محمد كشلاف” من الزاوية و”عمر بغدادة” من مصراتة المتحالف مع رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة، وتشير المنظمة إلى أن التعاون بين طرفي الانقسام السياسي قائم عندما يتعلق الأمر بالمكاسب غير المشروعة.
وقود ليبي لروسيا والسودان
يؤكد تحقيق “ذا سنتري” أن هذا المخطط الضخم تم بدعم خفي من دول شاركت في الحرب الأهلية الليبية، مثل روسيا وتركيا والإمارات.
ويكشف التقرير أن حفتر يزود وحدات عسكرية روسية متمركزة في ليبيا بالوقود المدعوم، الذي يجري نقله لاحقا إلى مواقع روسية في إفريقيا جنوب الصحراء. كما كان التحالف نفسه موردا رئيسيا للوقود لقوات الدعم السريع خلال الحرب الأهلية في السودان.
بحلول عام 2024، وصلت قيمة الوقود المسروق إلى 7 مليارات دولار سنويا، أي ما يعادل 15% من إجمالي الإنفاق العام، في وقت تحرم فيه الدولة من العملة الصعبة اللازمة لتأمين احتياجات أساسية، مثل الغذاء والدواء، مما أدى إلى تضخم الأسعار وانخفاض قيمة الدينار.
يتوقع التقرير أن تلعب الولايات المتحدة دورا محوريا في ضبط القطاع النفطي، نظرا لارتباطه بالدولار، ولانخراط شركات أميركية مثل إكسون موبيل وشيفرون في مفاوضات مع الجانب الليبي.
ويشير إلى أن إدارة ترمب تسعى لدعم المؤسسة الوطنية للنفط كمؤسسة تكنوقراطية قادرة على إدارة عقود طويلة الأمد، بعيدا عن النفوذ السياسي والشبكات الفاسدة. ويعمل كبير المستشارين الأميركيين، مسعد بولس، على وضع ميزانية ثابتة للمؤسسة للحد من النفقات غير المسجلة.
لكن التقرير يحذر من أن هذه الجهود قد تفشل إذا استمر التهريب دون معالجة حقيقية.
توصي “ذا سنتري” بأن توجه الولايات المتحدة وشركاؤها رسالة واضحة بضرورة استقلال المؤسسة الوطنية للنفط عن التدخل السياسي، وضرورة معاقبة شخصيات رئيسية في شبكات التهريب، مثل علي المشاي، لردع الممارسات الفاسدة.
كما يدعو التقرير إلى إصدار تحذير تجاري أميركي للشركات بشأن التعامل مع شبكات التهريب والوسطاء المرتبطين ببرنامج دعم الوقود، بهدف عرقلة تدفق الأموال غير المشروعة.
تحذّر فورين بوليسي من أن تجاهل الفساد المستشري يعني أن أي صفقات جديدة ستظل مهددة بالانهيار في حال اندلاع جولة جديدة من الصراع أو تغير موازين القوى، ويخلص التقرير إلى أن كبح تهريب الوقود هو نقطة البداية لحماية ثروات الليبيين وضمان بيئة استثمار آمنة على المدى البعيد.