الجمعة - 5 يونيو 2026
Home Featuredلماذا لا يملك البرلمان تغيير رئيس المحكمة العليا؟

لماذا لا يملك البرلمان تغيير رئيس المحكمة العليا؟

لماذا لا يملك البرلمان تغيير رئيس المحكمة العليا؟

by اسماعيل كمال

تقوم الدولة الحديثة على مبدأ أساسي لا يستقيم الحكم بدونه، وهو الفصل بين السلطات. فالسلطة القضائية ليست تابعة، ولا ملحقة، ولا قابلة لإعادة التشكيل وفق المزاج السياسي، بل هي إحدى السلطات الثلاث المستقلة التي تقوم بدورها في حماية الدستور وضمان سيادة القانون.

هذا المبدأ لم يأتِ من فراغ، بل أكده الإعلان الدستوري الليبي، كما كرّسه الاتفاق السياسي الليبي بوصفه الإطار الدستوري الحاكم للمرحلة الانتقالية. ومقتضى ذلك واضح: لا يجوز للسلطتين التشريعية أو التنفيذية التدخل في شؤون القضاء أو في تشكيل قياداته.

وفي هذا السياق، عالجت المادة (15) من الاتفاق السياسي حالة استثنائية تمثلت في شغور بعض المناصب القضائية العليا، وعلى رأسها منصبا رئيس المحكمة العليا والنائب العام. وكان هذا التنظيم استثنائيًا ومحدودًا بسببه وزمنه، لا قاعدة دائمة ولا تفويضًا مفتوحا.

فقد جرى شغل هذين المنصبين بترشيح صادر من داخل السلطة القضائية ذاتها:

النائب العام رُشِّح من المجلس الأعلى للقضاء لكون المنصب شاغرًا أصلا،
ورئيس المحكمة العليا رُشِّح من الجمعية العمومية للمحكمة العليا بعد بلوغ الرئيس السابق سن التقاعد وقيام حالة الشغور القانونية.

أما دور السلطة التشريعية، فلم يكن دور اختيار أو إنشاء، بل اقتصر –بحكم مبدأ الفصل بين السلطات– على تسمية كاشفة محضة، أي إجراء شكلي يثبت اختيارًا سبق أن قامت به الجهة القضائية المختصة، دون أن ينشئ مركزًا قانونيًا جديدًا، ودون أن يفتح باب الإلغاء أو التغيير لاحقا.

وهذا المعنى لا يقرره الاتفاق السياسي فقط، بل ينسجم كذلك مع قانون نظام القضاء والتشريعات المنظمة للمحكمة العليا، التي تقرر أن شؤون الترشيح والقيادة القضائية تُدار من داخل المؤسسة القضائية نفسها، حمايةً لاستقلالها ومنعًا لتسييسها.

وبانتهاء حالة الشغور التي استدعت هذا التنظيم الاستثنائي، استُنفد التفويض وانقضى أثره، وأصبحت هذه المناصب متحصّنة من أي تدخل لاحق، لا سيما من سلطة تشريعية انتقالية بطبيعتها ومحدودة الصلاحيات.

ومن ثم، فإن أي حديث عن تغيير رئيس المحكمة العليا أو النائب العام، أو التدخل في شؤون القضاء بدوافع سياسية، لا يمكن وصفه إلا بأنه عمل غير قانوني وغير مشروع، ويمثل اغتصابًا لاختصاص لا تملكه السلطة التشريعية الحالية، لأن مثل هذه الصلاحيات –إن وُجدت أصلًا– لا تكون إلا لسلطة تشريعية دائمة منتخبة في ظل دستور مستقر.

والخلاصة التي يجب ألا تغيب:
السلطة التي لا تُنشئ لا تملك الإلغاء، والمناصب القضائية العليا تحصّنت دستوريا وقانونيًا، وأي مساس بها هو مساس باستقلال القضاء ذاته.

You may also like