منذ سقوط نظام القذافي، بدت ليبيا اختبارا قاسيا لما سُمّي لاحقا بـ”أوروبا الجيوسياسية”، ورغم كثافة المبادرات والبعثات والتمويل، لم ينجح الاتحاد الأوروبي في ترجمة حضوره التقني إلى نفوذ سياسي حقيقي. بحسب المعهد الأوروبي للمتوسط.
وبينما انشغلت العواصم الأوروبية بإدارة الهجرة والأمن، تقدّمت قوى أخرى مثل تركيا وروسيا لملء الفراغ، لا بالبيانات بل بالقواعد العسكرية والاتفاقات الصلبة.
عام 2019 شكّل لحظة فاصلة، فقد كشف هجوم حفتر على طرابلس تردد أوروبا وانقسامها، في وقت تحركت فيه موسكو لدعم الشرق، وأنقرة لحماية حكومة الغرب، وخلال أشهر، تغيّر ميزان القوة على الأرض، وبات المتوسط مسرحا لتنافس عسكري على مرمى حجر من السواحل الأوروبية، فيما اكتفت بروكسل بدور المراقب القَلِق.
اختزلت أوروبا ليبيا في وظيفة واحدة: “حاجز متقدم” لوقف الهجرة، بعثات أمنية، عمليات بحرية، وصناديق تمويل ضخمة، لكن بلا رؤية سياسية جامعة، وبدل معالجة جذور الصراع، انصبّ الجهد على تدبير نتائجه، فغابت الدولة وحضرت الإدارة، وتحوّلت السياسة إلى تقنية.
الانقسامات الأوروبية عمّقت المأزق، فرنسا رأت في ليبيا ساحة لمكافحة الإرهـ.اب، إيطاليا بوابة للهجرة، وألمانيا منصة للتعددية الدبلوماسية. مبادرات متنافسة، مؤتمرات متوازية، وصوت أوروبي واحد لم يتشكّل قط، حتى مؤتمر برلين، رغم رمزيته، لم يتجاوز كونه محاولة لترميم وحدة مهترئة بلا أدوات تنفيذ حقيقية.
في المقابل، رسّخت موسكو وأنقرة حضورهما العسكري والدبلوماسي، وأصبحتا فاعلين حاسمين في الميدان وطاولة التفاوض، أما الاتحاد الأوروبي، فرغم موارده وأجهزته، ظل أسير الإجماع البطيء، عاجزا عن تحويل “القوة الناعمة” إلى تأثير صلب.
خلصت الدراسة الأوروبية إلى أن الأزمة الليبية لم تكن فشلا عابرا، بل مرآة لخلل بنيوي في السياسة الخارجية الأوروبية، اتحاد يدير الأزمات أكثر مما يحلّها، ويُكثف الأدوات دون رؤية، ويبحث عن الاستقرار السريع على حساب الحل السياسي الطويل. وفي ليبيا، كانت النتيجة واضحة، حضور أوروبي كثيف، وتأثير غائب.