في وقت يظهر فيه الدينار الليبي فائضًا مسجلا ورقيا على مستوى الميزانية، تكشف البيانات الأخيرة لمصرف ليبيا المركزي عن أزمة حقيقية بالعملة الأجنبية تهدد استقرار الاقتصاد الوطني.
الأرقام الأخيرة لبيان الإيراد والإنفاق للمصرف المركزي للفترة من يناير إلى يوليو 2025 تشير إلى فائض اسمي (ورقي) بالعملة المحلية، لكنه يتقاطع مع عجز ملموس بالدولار الأمريكي، ما يطرح تحديات مباشرة على قدرة البلاد في تمويل واردات المواد الأساسية والمحروقات، والحفاظ على استقرار سوق الصرف.
هذا التباين بين الفائض المحلي والعجز الأجنبي يسلط الضوء على هشاشة التمويل الخارجي ويجعل من السياسات الإصلاحية الحالية اختبارًا حقيقيًا لكفاءة إدارة الاقتصاد الليبي.
الفائض المحلي
بلغت الإيرادات المحلية خلال الفترة 73.5 مليار دينار، مقابل إنفاق بلغ 66.1 مليار دينار، ما يظهر فائضًا اسميًا يقارب 7.4 مليار دينار. ويتوزع الإنفاق بحسب البيان على المرتبات التي بلغت 42.6 مليار دينار، والنفقات التسييرية 2.8 مليار دينار، والتنمية 147.6 مليون دينار، والدعم 20.6 مليار دينار.
هذا الفائض يعطي صورة إيجابية على إدارة المالية العامة على المستوى المحلي، لكنه يخفي تحديات حقيقية على صعيد العملة الأجنبية.
العجز الأجنبي
على الرغم من الفائض بالدينار، تشير البيانات إلى وجود عجز ملموس في العملة الأجنبية، فقد سجلت الإيرادات النفطية، بما في ذلك الإتاوات المحولة إلى المصرف، نحو 13.842 مليار دولار، في حين بلغت استخدامات النقد الأجنبي 19.089 مليار دولار، ما يؤدي إلى عجز يقارب 5.247 مليار دولار.
هذا العجز يمثل ضغطًا مباشرًا على الاقتصاد، ويؤثر على قدرة البلاد في تمويل استيراد المحروقات والمواد الأساسية، وسداد الالتزامات الخارجية، وتغطية الاعتمادات المستندية.
المخاطر النقدية
الفارق بين الفائض بالدينار والعجز بالدولار يعكس هشاشة التمويل الخارجي ويطرح مخاطر واضحة على سوق الصرف، بما في ذلك احتمال تراجع قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية، وزيادة الضغوط التضخمية نتيجة نقص الدولار لتمويل الاستيراد، ومحدودية قدرة المصرف المركزي على التدخل الفعّال في سوق النقد الأجنبي.
السياسات الإصلاحية
سياسات المصرف المركزي الأخيرة، التي تشمل ضبط الإنفاق وتنظيم الدعم وإدارة احتياطيات النقد الأجنبي، تمثل خطوات ضرورية لمواجهة الضغوط، لكنها غير كافية بمفردها وربما لا تعالج الوضع الاقتصادي المنحدر.
وبينما يظهر الدينار فائضًا اسميًا، يظل العجز في العملة الصعبة القاسم الأكثر أهمية، ويشكل اختبارًا حقيقيًا لكفاءة السياسات الاقتصادية، لتبرز عدة تساؤلات حول المستقبل الاقتصادي للبلاد.
هل سيتمكن المصرف المركزي من إدارة ضغوط سوق الصرف والحفاظ على استقرار الدينار؟ وهل سيؤدي العجز بالدولار إلى قيود جديدة على استيراد المواد الأساسية والمحروقات؟ وما مدى فاعلية سياسات الإصلاح الحالية في تحقيق التوازن بين الإيرادات المحلية والاحتياجات الخارجية؟