من كان يتصور أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه البارحة في السنغال، حيث أعلنت وسائل الإعلام الرسمية قرارًا رئاسيًا بموجبه تمت إقالة رئيس الوزراء السيد عثمان سونكو وحكومته، ومن صدر عنه القرار هو فخامة الرئيس بصيرو ديوماي فاي، الذي ليس إلا الصديق الحميم للوزير الأول المُقال!
إنها لحظة من لحظات سخرية الأقدار بامتياز! وليس الأمر سنغاليًا حصرًا، فتاريخيًا حدث الشيء نفسه بين القيصر وبروتوس، وفي التاريخ العربي القريب حدث خلاف قوي بين عبد الناصر ورفيقه عبد الحكيم عامر، وكذلك بين صدام حسين وشقيق زوجته عدنان خير الله طلفاح… والقائمة تطول!
فلماذا بلغت الوضعية حدًا جعل الإقالة هي الحل الوحيد؟ أليست هناك بدائل أخرى أقل شراسة من ذلك؟
إنها لعبة السياسة؛ تجمع وتفرّق بين الأخ وأخيه، وبين المرء وخصومه، لا أكثر ولا أقل.
لم يكن الثنائي «بصيرو» و«سونكو» يتصوران، منذ جمعتهما الوظيفة في إدارة الضرائب، أن تسير بهما الأقدار من الأخوة والثقة والتحالف إلى التباعد والتنافر و«الطلاق بلا رجعة»!
كانا متزاملين في العمل، وتوافقت رؤاهما، وقررا أن يناضلا معًا للدفاع عن حقوقهما وحقوق زملائهما في المهنة، وتطور الأمر حتى وصل إلى «التنسيق»، بل أكثر من ذلك، اتفقا على أنهما يتقاسمان الأفكار نفسها والحماس نفسه، فأعلنا أنهما سيخوضان ما اعتبراه معركة وطنية لانتشال السنغال من نخبة سياسية تحوم حولها أكثر من علامة استفهام بشأن خدمة المصالح العليا للبلاد، حيث تفرط فيها دون أن يرفّ لها جفن!
صحيح أن السنغال، كدولة مستقرة في غرب القارة، لم تعرف الانقلاب يومًا طريقًا إلى السلطة، وهذا ما جعلها استثناءً في محيطها والقارة التي عُرفت دوليًا بـ«قارة الانقلابات»!
فجيشها مهني جمهوري لا يهتم إلا بالدفاع عن الحدود والأمن والاستقرار، ولا يطمح إلى ممارسة السياسة، التي هي شأن السياسيين يتصارعون عليها، ومن يتغلب منهم فالحكم حكمه إلى أن يأتي غيره.
أمام هذا الوضع قرر الأخوان اللدودان أن يجربا حظهما، فأسسا حزبًا سياسيًا وطنيًا عنوانه العمل والأخوة والأخلاق!!
وجرت مياه كثيرة تحت الجسر… حتى سُجن سونكو وأُبعد عن النزال، رغم انتخابه نائبًا في البرلمان!
غير أن رفيق دربه لم يدع الراية تسقط، بل حملها إذ ترشح باسم حزبهما المشترك «الباستيف»، وفاز في الانتخابات الرئاسية رغم أن رئيسه كان في السجن، في سابقة ربما تعد من نوعها إفريقيًا وعالميًا!
وهكذا وجد الأخوان الباب مفتوحًا أمامهما للجلوس على كرسي الحكم، لكن الكرسي واحد، وهما اثنان!!
فقررا تقاسم السلطة، ليكون «بصيرو» رئيسًا، وزميله «سونكو» رئيسًا للحكومة، لكن الأخير كان يرى نفسه أكبر من ذلك بكثير، وهو الذي يتسم بالشجاعة والحماس والاندفاع الذي قد يصل حد التهور!
فتوقع الأنصار أن يدير الأخوان السلطة، كلٌّ من موقعه، بما يسهم في الحفاظ عليها وبعث الأمل لدى الشباب السنغالي، الذي كان يرى فيهما المخلّص من فساد نخبة لا ترعى فيه إلًّا ولا ذمة، ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، فسرعان ما دبت الخلافات بين الشريكين منذ اليوم الأول، وكانت تطفو في كل مرة على السطح، حتى طفح الكيل، كما يقال!
وبمجرد إعلان القرار خرجت جماهير حزب «الباستيف» في دكار ومدن أخرى متظاهرة ورافضة لقرار الإقالة، وطوقت منزل الوزير الأول المُقال معلنة تمسكها به حتى النهاية، كما أعلن الحزب مضيه قدمًا في التحضير لمؤتمره العام في الشهر القادم.
وما زال من غير المعروف إلى أي اتجاه سيتجه الوضع بالنسبة للحزب الحاكم: هل سيستمر في دعم الرئيس بصيرو ديوماي فاي، أم سيدعم غريمه اللدود عثمان سونكو؟ وهو ما قد يضطر الرئيس إلى البحث عن حزب جديد أو إجراء تحالفات منفصلة للحفاظ على وحدة السلطة وتماسكها أمام الملفات الصعبة التي تواجه البلاد في الآونة الأخيرة، والتي تتطلب وحدة في الموقف الحكومي حتى يتسنى التعامل الصحيح والفعال مع مختلف الملفات المطروحة على المشهد السنغالي عمومًا.
الأيام القادمة حبلى بإجابات عن تلك الأسئلة التي تظل معلقة إلى حين.
بقلم: ياسين عبدالقادر الزوي