في الـ10 من نوفمبر 2024، التأم مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي لأول مرة منذ عقد كامل، في اجتماع وُصف حينها بالتاريخي، إذ أعلن المحافظ ناجي محمد عيسى عن إطلاق خطة استراتيجية قصيرة المدى لتطوير أعمال المصرف وتنظيم السياسة النقدية وسعر الصرف، مع تفعيل دور لجنة السياسة النقدية بعد سنوات من الجمود.
استعادة ثقة
وفي محاولة لاستعادة الثقة بالقطاع المالي، أقرّ المجلس إجراءات لدعم قيمة الدينار الليبي والمساهمة في كبح الأسعار، إلى جانب فتح المجال أمام شركات ومكاتب الصرافة الجديدة، وإبطال الورقة النقدية فئة الخمسين دينارا، في خطوة فُسرت حينها على أنها مسعى لتقليص الكتلة النقدية وضبط السيولة في السوق. كما تم تخويل المحافظ تسريع إجراءات صرف المرتبات، ودعم خطة توفير السيولة في جميع فروع المصارف التجارية، مع نقل “الموزّع الوطني” إلى إدارة المركزي مباشرة.
يراوح مكانه
قرارات بدت وكأنها بداية مرحلة جديدة، لكنّ السوق لم يشعر بنبض التغيير، الدينار لم يتحسن، والسيولة ظلت هاجسا، فيما بقيت المصارف في طابور الأزمات ذاتها، وكأن “الخطط القصيرة” طالها عمر التمديد من دون نتائج ملموسة.
بين زمنين
المحافظ السابق الصديق الكبير، حكم المصرف المركزي لأكثر من عقد بقبضة شبه فردية، في ظل انقسام حكومي حاد أبقى مجلس الإدارة معطلا طوال سنوات، ورغم الانتقادات التي طاولت الكبير بسبب مركزية قراراته، فإنه استطاع أن يحافظ على استقلال نسبي للمركزي عن التجاذبات السياسية، وأن يصون الاحتياطات المالية الليبية من محاولات الفصائل المتنازعة لتمويل حروبها من الخزينة العامة.
وعود لم تتحقق
في مؤتمر الاستثمار المصرفي الذي انطلق صباح اليوم، شدّد المحافظ ناجي عيسى على أن القطاع المصرفي يجب أن يستعيد دوره التنموي الحقيقي، مؤكدا أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح تشريعي وتنظيمي ومالي متكامل، وشراكة بين المصارف والمؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة.
حديث المحافظ بدا أقرب إلى خطة طموحة لإعادة صياغة العلاقة بين المال والتنمية، لكنه في نظر كثير من المراقبين يصطدم بواقع إداري ونقدي لا يزال يراوح مكانه، وسط غياب رؤية تنفيذية واضحة، وتحديات مرتبطة بتعقيدات سعر الصرف، وضعف أدوات السياسة النقدية، واستمرار الاقتصاد الموازي الذي يبتلع جزءا من السيولة خارج النظام الرسمي.
نتائج مؤجلة
بعد عام من تولي ناجي عيسى ومجلسه الجديد، تبدو حصيلة الإصلاح محدودة مقارنة بالوعود التي أُطلقت، فالسيولة ما زالت شحيحة، والدينار لم يحقق التعافي الموعود، فيما يواصل المواطن مواجهة تضخم الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ويبقى السؤال مفتوحا.. هل سيستطيع المحافظ الجديد أن يحوّل الخطط إلى سياسات فعّالة تعيد الثقة بالنظام المصرفي الليبي، أم أن مصرف ليبيا المركزي سيظل أسير التوازنات السياسية ذاتها التي كبّلته لعقد كامل؟