يظل الاقتصاد المحلي من أكثر الاقتصادات اعتمادا على النفط في العالم حيث يشكل القطاع النفطي العمود الفقري للإيرادات العامة والصادرات.
ويمثل النفط أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي وما يقارب 97% من صادرات البلاد ما يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لأي اضطرابات في سوق الطاقة العالمية، وفق بيانات صندوق النقد الدولي
ويبلغ متوسط إنتاج ليبيا من النفط الخام نحو 1.3 مليون برميل يومياً، وفق بيانات قطاع الطاقة وهو مستوى يمثل المصدر الرئيسي لتمويل الميزانية العامة ودعم العملة المحلية.
غياب البدائل
لكن هذا الاعتماد الكبير على النفط يجعل الاقتصاد الليبي عرضة للصدمات الخارجية، خاصة في ظل غياب التنويع الاقتصادي وضعف القطاعات الإنتاجية الأخرى.
أي تصعيد عسكري في المنطقة خصوصا في الخليج ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، فالحرب المحتملة على إيران دفعت أسعار النفط إلى ارتفاع تدريجي في أسعار النفط العالمية مع اقترابها من مستويات تقارب 100 دولار للبرميل، مدفوعة بمخاوف الأسواق من نقص الإمدادات أو تعطل طرق الشحن الدولية.
اضطراب هرمز
كما يمكن أن يؤدي التصعيد العسكري إلى اضطراب حركة التجارة الدولية، خاصة عبر الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وفي حال تعطل حركة الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة أسعار الطاقة والشحن عالمياً، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع في الأسواق الدولية، بما في ذلك الدول المستوردة مثل ليبيا.
التأثير المحلي
بالنسبة لليبيا قد يبدو ارتفاع أسعار النفط في البداية عاملاً إيجابياً بسبب زيادة الإيرادات لكن التأثير الحقيقي يظهر في جانب آخر من الاقتصاد وهو الاستيراد.
تكاليف الشحن
فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة في الأسواق المحلية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها الأساسية.
الاعتماد على الوارادت
على الرغم من امتلاكها ثروات نفطية كبيرة، فإن ليبيا ليست دولة منتجة للغذاء بالقدر الكافي، وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن الإنتاج الزراعي المحلي لا يغطي سوى نحو 20 إلى 25% من احتياجات الغذاء في البلاد، بينما يتم استيراد النسبة الأكبر من الأسواق الخارجية.
وتشمل أهم السلع المستوردة: القمح والدقيق، الزيوت النباتية، السكر، الأرز، اللحوم المجمدة وهو ما يجعل السوق الليبية عرضة لأي اضطرابات في التجارة العالمية أو سلاسل الإمداد.
جدل الضريبة
وفي وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من عدم اليقين، أثار مقترح تقدم به مصرف ليبيا المركزي بفرض رسم أو ضريبة على بعض السلع والخدمات جدلا واسعاً في الأوساط الاقتصادية والتشريعية خلال الأيام الماضية.
وتباينت المواقف بين مؤيد يرى في الخطوة محاولة للحد من الطلب على العملة الأجنبية وتنظيم الاستيراد، ومعارض يحذر من انعكاساتها المحتملة على أسعار السلع.
تراجع العملة
وقد تزامن الجدل حول المقترح مع تراجع ملحوظ في قيمة الدينار الليبي في السوق الموازية مقابل الدولار، حيث تجاوز سعر الصرف حاجز 10 دنانير للدولار الواحد لأول مرة منذ سنوات، وفق متعاملين في السوق المحلية.
سلاسل الإمداد
أي اضطراب في التجارة العالمية يمكن أن يعرقل سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها ليبيا في استيراد الغذاء والوقود والسلع الأساسية.
كما أن ضعف البنية الصناعية في البلاد يجعلها تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، حتى في المنتجات النفطية المكررة، بسبب محدودية القدرة المحلية على التكرير.
فجوة مالية
لكن رغم هذه الإيرادات، لا تزال ليبيا تواجه فجوة مالية واضحة، فقد أكد محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى في تصريحات سابقة أن الدولة تحتاج إلى نحو 3 مليارات دولار شهريا لتغطية نفقاتها، بينما لا تتجاوز الإيرادات المتاحة في بعض الفترات 1.5 مليار دولار شهريا.
والمشكلة في ليبيا لا تكمن فقط في مستوى الإيرادات، بل في طريقة إدارتها فمع انتشار الفساد، وازدواجية المؤسسات، والإنفاق غير المنضبط، غالبا ما تتحول الزيادات في أسعار النفط إلى مكاسب مالية للنخب السياسية وشبكات المصالح بدل أن تنعكس على الاقتصاد الحقيقي أو مستوى معيشة المواطنين.
فرصة للإصلاح
قد تبدو موجة ارتفاع أسعار النفط الحالية فرصة مهمة لاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على العائدات النفطية، إلا أن الاستفادة الحقيقية من هذه الطفرة تبقى مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات الاقتصادية على تنفيذ إصلاحات مالية وتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وفي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة يبقى الاقتصاد المحلي معرضا لتقلبات الأسواق العالمية، ما يجعل أي أزمة في التجارة الدولية أو الطاقة تنعكس سريعا على الأسواق المحلية وعلى جيب المواطن البسيط.