الجمعة - 5 يونيو 2026
Home Featuredالمثـقـف، الثقافة وبوصلة التـغيــير

المثـقـف، الثقافة وبوصلة التـغيــير

by هبة العماري

نظرية

باعتبار أن الثقافة هو سلوك اجتماعي، يمكننا اعتبار الثقافة مجموعة الظواهر التي تنتقل من خلال التعلم الاجتماعي في المجتمعات البشرية؛ والتي تأتي في أشكال تعبيرية كالفنون بشكل عام، أو تقنيات مثل البناء واستخدام الأدوات، والطبخ، والتكنولوجيا، إلخ. فإنه يمكن اعتبار الحرب ثقافة، أو أحد الأشكال للتعبير عن العنف (ثقافة العنف).

بالعودة للتاريخ سنجد أن الحرب أو (ثقافة العنف) لم تكن جزءًا أصيلاً من ثقافة المجتمع الليبي، بمعنى أنها ثقافة مكتسبة، موجودة في المخزون الثقافي للمجتمع يلجأ إليها عند الحاجة أو في الأزمات، وهو ما نعيشه الآن، إذ طفت هذه الثقافة على السطح، وصارت أسلوب عمل وحياة عند البعض.

بالتالي، فإنه في الحالة الليبية، ستكون الثقافة هذه الحل، فكون العنف (الحرب) ثقافة، فلا بد من ثقافة مضادة للعودة بها وسحبها للركن البعيد، وإن أمكن تفتيتها والاستفادة من عنصر الحماسة في إطلاق الطاقات. بمعنى أنه للقضاء على ثقافة الحرب أو (ثقافة العنف)، لا بد من عمل واجتهاد على المستوى الثقافي، لقلب المعادلة، وإزاحة حد العنف (الحرب) وإحلال بدائل تكون قادرة على منح الفرد (المجتمع) الاكتفاء في إيجاد حلوله، بعيداً عن لغة القوة في إدارة شؤونه ومواجهة الآخر بالحوار وتقبل وجوده، ووجود طيف من الثقافات تشاركه المكان.

 

هامش:

لقد أحدثت الصراعات المحلية تحولاً مهما في حقل دراسات الصراع والعنف. فقد أصبحت نظريات العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية عاجزة عن الإمساك بديناميكيات وتعقيدات هذه الحروب الجديدة. وعندها بدأ التركيز على العوامل المحلية والأسباب الداخلية في سياقات العولمة الكونية وأثرها على تشكل الهويات الجماعية، أي بدأ يمعن النظر في ديناميكيات الجماعات الإثنية والطائفية، والمظالم الجماعية وغيرها. لذلك يستدعي تنامي ظاهرة العنف في العالم اليوم التّفكير في أسبابها ونتائجها، لا اعتماداً على تراث من تقاليد سياسيّة ومقولات أخلاقيّة نتّخذها نقاطا ثابتة نتّكئ عليها، ولكن نقوم بافتتاح طرق جديدة في التّفكير من شأنها أن تنتج مفاهيم مختلفة تساعد أكثر على الفهم العميق للظّاهرة، وعلى معالجتها والتّصدّي لجذورها (1).

 

العنف والحرب!

هل حديثنا عن الحرب، أم العنف، أو هو العنف والحرب؟

في أبسط تعريفاتها؛ الحرب هي نزاع مسلح بين طرفين، كما يمكن أن تكون الحرب مواجهة معنوية بين توجهين أو قوتين (كالحرب بين الشركات والتوجهات السياسية). أما العنف؛ فهو استخدام القوة ضد النفس أو ضد أي شخص آخر بصورة متعمدة. وتعد ثقافة المجتمع، أحد أسباب ومحفزات العنف وتبريره، سواء كان العنف هنا على مستوى الفرد أو الجماعة.

بالتالي فإن كان العنف سلوكاً، فإن الحرب هي أحد أشكال التعبير عنه، وبالتالي بغض النظر عن المكاسب السياسية والعسكرية، فإن الحروب تعمق وتؤكد هذا السلوك، على مستوى الأفراد بشكل خاص، بل وتكافئهم بقدر ما يمارسون من عنف، دون النظر لتبعاته على صعيد الفرد ذاته، أو نتائجه في المجتمع، إذ أن العنف، كثقافة، سيكون لها مردود سلبي على الفرد ذاته، الممارس له، وعلى المجتمع الذي يحتويه أو يدعمه.

وعليه، فالحرب والعنف، أو العنف والحرب متلازمتان، يغذي كل منهما الآخر، ولعلنا في ليبيا ما بعد فبراير 2011، نعايش بشكل مباشر هذه الثنائية. التي تحولت في حالتنا الليبية إلى ما يشبه العملة؛ وجهها الأول العنف، والثاني الحرب، فعلى أي الوجوه سقطت فإن النتيجة هي الخراب.

 

هامش:

الحقيقة أنه لا توجد أي حرب يمكن تبريرها بأية غاية، سوى خدمة النفس الأمارة بالسوء، وتحديدا جانبيها الخوف والطمع.

إن النفس تصور للإنسان بأنه الأفضل والأقدر والأكثر حكمة وسياسة وذكاء، وبالتالي يتعين عليه أن يحصل على الاعتراف من الآخرين بذلك، وإن لم يفعلوا ينبغي عليه أن يخضعهم. وهي تسوغ له ذلك باعتباره أمرا مشروعا، وأحيانا عادلا (2).

 

الثقافة المضادة

إذا كنا نتحدث عن العنف أو الحرب، فإن الثقافة المضادة ستكون ثقافة ألا عنف/ ألا حرب، وهذا لا يعني -بالضرورة- إلغاء الحرب كخيار عند الحاجة إليه، كرد الاعتداء، إنما محاولة لتقنين وتقييد الحدود.

الثقافة يمكنها أن تكون سلاحاً فعالاً وقوياً لتغيير وتوجيه سلوك المجتمع، خاصة عندما تكون الأرضية والوقت مناسبين للتغيير، وأيضاً عندما تكون الرغبة نابعة من المجتمع لطي صفحة من تاريخه، كما حدث في رواندا على سبيل المثال، فالمجتمع الرواندي بأجمعه شارك في طي صفحة الصراع الدموي الذي وقع ضحيته، وصاغ ثقافة ما بعد الحرب الأهلية.

وفي ظني البسيط، أن المجتمع الليبي يسعى إلى إحداث هذا التغيير على المستوى الثقافي، لكنه يفتقد للتوجيه، وبالأصح يفتقد لمن يمسك بالبوصلة ويسير به على الطريق الصحيح، ولا أجد هنا إلا المثقف لهذا الدور الكبير والمهم، ليتجاوز المجتمع الليبي سقطته الثقافية (الأخلاقية)، ويتجاوزها بتجاوز صفحة الماضي والاعتبار.

 

هامش:

ربما يميل البعض إلى الاعتقاد الشائع بأن أزمنة الحروب والكوارث الكبرى يتراجع فيها دور الفن في مواجهة العنف والدماء والموت، بينما لمؤرخي ونقاد الفن رأي مخالف فيقولون إن أوقات الحروب والكوارث متزامنة مع التطورات والعلامات الكبرى في الفن، ويمكن ملاحظة ذلك عندما أصبح الفنانون أكثر حرية في تسجيل رؤاهم الشخصية بعيدا عما تفرضه السلطة الدينية أو العسكرية (3).

 

الثقافة في مواجهة العنف!!

الكثير من التجارب الثقافية المهمة التي يمكن الوقوف عندها، والتي تؤكد أن الثقافة المضادة هي أحد الأسلحة المهمة لمحاربة -وهنا الحرب اصطلاح مجازي- ثقافة العنف أو الحرب، وتجاوز الأزمات التي يعيشها المجتمع الليبي بالآداب والفنون. بعد أن قرأناه ثيمات ومشاهد في الإبداع المكتوب والمرئي، والمسموع.

وحتى يتحول هذا الجهد المضاد، إلى توجه مجتمعي تتبناه مؤسسات الدولة، هناك الكثير من المبادرات التي تسير في هذه الاتجاه، والتي تدل على وعي المثقف (4) بدوره في المجتمع، وأهمية هذا الدور، وأنه قادر على إحداث التغيير، وإن كان بطيئاً ومحدود التأثير في بداياته.

 

من هذه المبادرات أو المشاريع الثقافية الساعية لنشر الثقافة والفنون (تجمع تاناروت للإبداع الليبي)، وهو مؤسسة مجتمع مدني، من اختيارها للاسم، يبرز بشكل واضح العمل على ربط الفرد بتراثه التاريخي الكبير، والذي يركز على الإبداع الليبي كونه إبداع يملك من الأدوات والإرث ما يجعله مميزاً، والملاحظ إن (تاناروت) يتمتع بروح شابة تسعى للتغير بتأثير حماسة الشباب، وبذكاء في اختيار الأنشطة الثقافية؛ التي تركز على الارتقاء بالذائقة الفنية (عروض السينما الأسبوعية (نادي السينما)، والمسرح)، توسيع دائرة المعرفة (نادي القراءة)، وتطوير آليات الحوار والنقاش من خلال اللقاءات الأسبوعية والنقاش حول مسألة ما، والملاحظ تمتع هذه الأنشطة بحضور لافت يعكس أثر هذا المشروع في المجتمع، بمدينة بنغازي.

مشروع آخر في الجهة المقابلة، وجهد ثقافي مميز تقوم به (الجمعية الليبية للآداب والفنون)، بمدينة طرابلس، فهي تتكئ على خبرة مؤسستيها الثقافية والأدبية. فأقامت الكثير من المناشط الثقافية عرضت من خلالها عديد القضايا التي تمس الفرد خاصة فيما يخص الهوية والوطنية، وما يتعلق بخطاب الكراهية، كما ركزت على التعريف بعديد الأسماء والتوقف عند مجموعة من الأحداث التاريخية في شخوص أو وقائع. الجميل في هذه الجمعية أنها أشركت العناصر الشابة في تأسيسها وإدارتها وأيضاً مناشطها. كما عمدت إلى التأكيد على الهوية من خلال اتخاذها من فضاء (حسن الفقيه حسن) بالمدينة القديمة طرابلس.

 

ثمة وجه آخر للعمل الثقافي، يتمثل في تعزيز دور الكتاب والاستمرار في النشر، وهنا أذكر تجربتي مكتبة طرابلس العلمية العالمية، ودار البيان للنشر والتوزيع والإعلان. فبالرغم من الظرف الحرج الذي تمر به البلاد، فإنهما يصران على الاستمرار في عملية النشر وطباعة الكتاب، بل والمشاركة في معارض الكتاب الدولية، لتأكيد الحضور الليبي.

 

هناك الكثير شبيهات (الجمعية الليبية للآداب والفنون) و(تاناروت للإبداع الليبي)، و(مكتبة طرابلس) و(دار البيان)، تنتشر في أكثر من مدينة ليبية، كأحجار الفسيفساء، تبرز جمال ليبيا وتؤكد على ما للثقافة من قدرة على إحداث التغيير وتجاوز العنف ومن يسعى لتأكيده ثقافة، وإلا لماذا تنجح مهرجانات كمهرجان الخريف بهون، ومهرجان بني وليد، ومهرجان ملاقاة الربيع بسوكنة؟ ومهرجان أوسكار وغيرها الكثير!

 

هناك الكثير من الأسباب التي أنجحت هذه المؤسسات والمناشط الثقافية، فبعيداً عن التخطيط والإدارة؛

• فلقد وجد المجتمع في هذه المناشط مهرباً من حصار أخبار الحروب والمواجهات.

• كما إنها متنفس صحي يمكن من خلالها ممارسة ما يحلم به الفرد، وإشباع حاجاته المعنوية.

• نفض الغبار عن الإرث الثقافي المهمل والمطموس، وإعادة تقديمه من جديد.

• إثارة الذائقة الفنية وإثرائها، على مستوى الأفراد والجماعات (المجتمع).

• تدعيم ثقافة الحوار، وقبول الآخر.

• إيجاد قاعدة ثقافية وفكرية في مواجهة ما يروج في المجتمع من خطابات سياسية ودينية.

 

هذه النجاحات تعكس بشكل واضح حاجة المجتمع للتغيير، والخروج من دائرة المواجهات والصراعات المسلحة، وأن الأرضية خصبة للبذر وجني ثمار هذا الجهد. خاصة وإن النسبة الأكبر من روادها من فئة الشباب، الذين يتداعون إلى هذه المشاريع، ويعملون بها بشكل تطوعي، ويمكن للمطلع أن يشاهد كم هذه المشاريع الثقافية التي يعج بها المشهد في ليبيا، والتي يمكن في وجود الإرادة والتنظيم أن تكون قادرة على قيادة التغيير في المجتمع.

 

خـتاماً

الثقافة هي الحل، أو هكذا أزعم، للخروج بالمجتمع الليبي من دائرة العنف السلبية والقاتلة للفكر والموهبة، إلى دائرة الفنون والآداب القادرة على إثارة الأسئلة وابتكار الحلول وتحويل الاختلاف إلى ثراء في جميع المجالات.

الثقافة الصحيحة تنجح في مواجهة العنف وتقزمه، وتتجاوز بالمجتمع عديد العراقيل والمطبات باتجاه البناء، وما زلت أؤكد على دور المثقف في هذه المرحلة، فهو أحد أصابع اليد التي ستحمل بوصلة التغيير لتسير بالمجتمع إلى بر الأمان.

________________

1- علي رسول حسن الربيعي (في نقد العنف)، مجلة الجديد – العدد (31) أغسطس/آب 2017.

2- عمران سلمان (في العنف والحروب وأسبابها)، الحرة – 14 ديسمبر 2018.

3- سارة عابدين (نظرة تاريخية.. تأثير الحروب والثورات على الفن)، الجزيرة نت – 4 أبريل 2019.

4- رامز رمضان النويصري (المثقف.. من هو؟)، خربشات – 20 أبريل 2017.

You may also like