Home Featuredبرنامج المصالحة ضمانة لعدم الانقسام السياسي والإصلاح الاقتصادي

برنامج المصالحة ضمانة لعدم الانقسام السياسي والإصلاح الاقتصادي

ضرورة المصالحة الوطنية في المرحلة الراهنة

by اسماعيل كمال

باستقراء التاريخ المعاصر بشكل عام، نجد أنّه بعد الثورات المسلحة مباشرة غالبًا ما تنشب الصراعات والخلافات السياسية بين القوى الثورية، بسبب اختلاف أيديولوجياتها وأهدافها في العديد من القضايا المتعلقة بالحكم الجديد. وبسبب هذه الخلافات عادة ما تنهار مؤسسات الدولة (وعلى رأسها الجيش والشرطة)، وتزداد حدّة التنافس على قيادة الدولة مع مرور الوقت لغياب قواعد واضحة للحكم، الأمر الذي ينتج عنه شرعية هشة، وأحيانًا نشوء قواعد تنظيمية جديدة لاستغلال موارد الدولة من أجل تحقيق مصالح شخصية أو سياسية بحتة.

في هذه المرحلة تستمد القوى الثورية قوتها من النصر العسكري والتضحيات التي قدّمتها، في المقابل تظهر قوى أخرى ضعيفة (يمكن وصفها بالإصلاحية) لا تملك سلطة القرار، وتدعو إلى الحوكمة والعودة إلى الشرعية الدستورية. وفي ظل هذه الفوضى تجد الأطماع الأجنبية موطئ قدم في هذه الدول باعتبارها بيئة سهلة لتحقيق مصالحها، فتدعم بعض الدول ذات النفوذ تيارًا على حساب آخر، فتتسع هوة الخلاف ويزداد المشهد السياسي تعقيدًا.

ما سبق حقائق حدثت وتحدث وستظل تحدث في الدول التي شهدت أو تشهد ثورات مسلحة، وليبيا ليست استثناءً. والحل لهذه المعضلة يفرض نفسه بمرور الوقت؛ إذ تخلّف الصراعات آثارًا اقتصادية وخيمة وأزمات تمس حياة الشعب، فتزداد معاناة المواطن، وعندها تتحرك النخب للمطالبة بالحقوق. وفي الوقت نفسه، تدرك القوى الثورية – خاصة الوطنية منها – ضرورة تقديم التنازلات لإيجاد حلول، إيمانًا منها بأن الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لا يتحقق إلا عبر المصالحة والاحتكام إلى قواعد دولة حقيقية.
وهنا يتدخل المجتمع الدولي من جانب إنساني لدعم حلول غالبًا ما تأتي متأخرة. وعندما تدرك القوى الثورية حاجتها إلى التصالح تنتظر مبادرة مقنعة تلتف حولها.

لقد حان وقت هذه المبادرة في ليبيا، والمتمثلة في برنامج مصالحة شامل يقوم على مبادئ حاكمة يلتقي عندها الجميع. فقد فشلت برامج المصالحة السابقة فشلًا ذريعًا، إما لأن توقيتها لم يكن مناسبًا، أو لأن قواعدها لم تكن واقعية ولا مقبولة من القوى الثورية، أو بسبب مقاومة قوى ضغط داخلية تملك أدوات تعطيلها، أو نتيجة اعتقاد بعض الأطراف الثورية بقدرتها على إقصاء الطرف الآخر بدعم خارجي يسعى لإدارة الأزمة لا حلها، أو لكل هذه الأسباب معًا.

ورغم هذا الفشل، تبقى الحاجة ملحّة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى برنامج مصالحة وطني. فالجميع يدرك ضرورة وجود مؤسسات دولة أساسية متعارف عليها دوليًا، وفي مقدمتها حكومة واحدة. والجميع يرى أن الاقتصاد الوطني انهار ويحتاج إلى برامج إصلاحية جادة، وأن كل يوم جديد أسوأ من سابقه.

لذلك فإن الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح هي إطلاق مبادرة للمصالحة الوطنية تحت شعار: المصالحة الوطنية تصنعها إرادة الشعب.
ومن ثم تكوين قوى ضغط تتبنى برنامجًا شاملاً، على أن تنبثق المبادرة من أحد الأجسام الفاعلة في المجتمع حتى تحقق أهدافها. فقوة البرنامج تُستمد من قوة الجهة التي أطلقته، سواء أكانت إحدى القوى الثورية الفاعلة، أو نقابة مهنية (مثل نقابة المحامين أو نقابة المعلمين أو نقابة أعضاء هيئة التدريس)، أو شخصية سياسية مؤثرة. وبعد ذلك، يجب أن يتشكل حراك مجتمعي يضم جميع مكونات المجتمع السياسية والاجتماعية لدعم المبادرة. وفي مرحلة لاحقة يُنظم ملتقى وطني عام تُعلن فيه مبادئ المصالحة الحاكمة.

وفي هذا الصدد يجب التأكيد على أنّ برامج المصالحة لا تُدار بعشوائية، فهي برامج حساسة تحتاج إلى تنظيم قانوني رصين تتبناه السلطة التشريعية في مرحلة لاحقة. وعليه، فإن إصدار قانون للمصالحة يصبح ضرورة، على أن يُنشئ أجسامًا مختصة بتنفيذ برنامج المصالحة الوطنية. ويجب أن يُشكّل هذا القانون عقدًا اجتماعيًا بين القوى الثورية والقوى السياسية الفاعلة. وبالتالي لا يمكن لطرف أن ينفرد بفرض قواعد المصالحة دون الآخرين، وإلا مات البرنامج في مهده.

كما ينبغي أن يتضمن برنامج المصالحة قواعد حاكمة قابلة للتطبيق، لأنه مشروع عملي يعالج مشكلات واقعية وليس تصورًا مثاليًا بعيدًا عن التنفيذ.
فمثلاً، اشتراط خروج جميع القوى الثورية من المشهد السياسي أمر غير واقعي (لارتباطه بشعورهم بالنصر العسكري والتضحيات التي قدموها). والبديل هو ترسيخ مبادئ الحوكمة عبر وضع ميثاق وقانون ينظمان العلاقة بين القوى الثورية، بحيث يُلزمها باحترام معايير حوكمية متفق عليها، تحت إشراف ورقابة أجسام برنامج المصالحة. والغاية أن يكون التركيز على المبادئ والمعايير لا على الأشخاص.

ونقترح إنشاء جسم أساسي للمصالحة يكون المرجع والمنظم العام للبرنامج، وتعمل تحت إشرافه ورقابته بقية الهياكل، وأهمها:

• صندوق جبر الضرر: يعنى بالجانب المادي للمصالحة، ويُخصَّص له 3% من إيرادات الدولة الليبية، إضافة إلى ضريبة رمزية تحت مسمى “ضريبة المصالحة”، وبذلك يشعر جميع المواطنين بأهمية المصالحة ومشاركتهم فيها. ويجب أن يقوم الصندوق على مبدأ العدالة، بحيث يعوض المتضررين جميعًا سنويًا بنسب تتناسب مع حجم أضرارهم والإمكانيات المتاحة من الإيرادات العامة.

• جسم معنوي للمصالحة: يعالج النزاعات القبلية والمناطقية التي نشأت عن الصراعات المسلحة، ويهتم بالتعويض الأدبي مثل تفضيل أبناء ضحايا الصراعات في الإيفاد للدراسة بالخارج، أو منح المتضررين أولوية في التوظيف.

وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى الدور المحوري للأمم المتحدة في دعم المصالحة بعد النزاعات، من خلال تعزيز الحلول السياسية، ودعم عمليات حفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة، والمساعدة في استعادة سيادة القانون وحقوق الإنسان، وتقديم الدعم الإنساني والمجتمعي، وتنسيق جهود بناء السلام على المستويات المحلية والوطنية. وهذا يساهم في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وديمومة.

وعليه، نرى أن يكون برنامج المصالحة وطنيًا بامتياز، مع اعتبار الأمم المتحدة شريكًا استراتيجيًا في تنفيذه وضمان استمراريته المتفق عليها بين القوى الثورية.

You may also like