Home Featuredبين الشكليات العقيمة وفجيعة الأرقام، كيف يهرب “الأعلى للدولة” من مواجهة الألف مليار؟

بين الشكليات العقيمة وفجيعة الأرقام، كيف يهرب “الأعلى للدولة” من مواجهة الألف مليار؟

by عائشة |

لم يكن غياب النصاب القانوني عن جلسة المجلس الأعلى للدولة الأخيرة مجرد عارض إجرائي متكرر، بل جاء ليعكس في عمقه أزمة بنيوية يعيشها هذا الجسم السياسي؛ أزمة تكمن في العجز عن ترتيب الأولويات، والهروب المستمر من مواجهة القضايا الحقيقية التي تمس حياة المواطن الليبي، نحو معارك جانبية لا تسمن ولا تغني من جوع.

تحوُّل الجلسة إلى “تشاورية” بسبب غياب النصاب، لم يمنع الحاضرين من القفز مباشرة إلى محاولة محاكمة رئيس هيئة الرقابة الإدارية، عبدالله قادربوه، تحت لافتة التجاوزات، مستغلين حالة اللغط الشعبي التي صاحبت تكريم الهيئة للسيدة (هدى بن عامر) ضمن سياق بروتوكولي شمل كل من تعاقبوا على إدارة الهيئة، وهنا تسقط المؤسسة في فخ المناكفة السياسية، متغافلة عن الجوهر الحقيقي الذي من أجله وُجدت الرقابة، ومن أجله أُعدّ التقرير السنوي.

إن محاولة تصدير مشهد التكريم البروتوكولي كقضية رأي عام تستدعي جلسة طارئة، تبدو في ظاهرها غيرةً وطنية، لكنها في باطنها السياسي لا تعدو كونها تصفية حسابات، وابتزازاً علنياً، وهنا يجب المكاشفة دون مواربة،إن بعض العناصر داخل المجلس الأعلى للدولة، والذين يتصدرون هذا المشهد اليوم، يتحركون بدوافع ومصالح شخصية ونفعية ضيقة نعرفها جيداً ونرصدها بدقة، ولو اضطرنا الأمر للإفصاح عن مطلب كل واحد منهم بالاسم لفعلنا.

لقد التجأ هؤلاء إلى هذا النهج الهجومي لمجرد أنهم لم يتحصلوا من السيد عبدالله قادربوه على ما أرادوا من تعيينات، أو تمرير لوساطات، أو صفقات نفعية شخصية لا علاقة لها بالوطن ولا بمصالح المواطنين، وحين رُفضت مطالبهم واصطدمت بجدار المؤسسة، تحولت الهيئة ورئيسها في نظرهم إلى هدف مشروع للهجوم، تحت غطاء الدفاع عن الهوية والوطنية، في سلوك يجسد أبشع صور توظيف الأدوات السياسية لخدمة المآرب الخاصة.

ديناصورات السياسة: الشركاء في الهدر يحاولون التغطية على الجريمة.

تكتسب هذه المعركة أبعاداً أكثر عمقاً وخطورة حين نضع النقاط على الحروف ونذكر بالحقائق التاريخية؛ فأعضاء هذا المجلس هم اليوم أقدم مسؤولين جاثمين على صدر المشهد السياسي في ليبيا دون استثناء، باعتبار أن هذا الجسم انتُخب نواةً أولى له (المؤتمر الوطني العام) منذ عام 2012، ولا زالوا يجددون لأنفسهم البقاء إلى يومنا هذا.

هذه الأقدمية المطلقة تجعلهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، شركاء ومسؤولين عن هذا الهدر الفظيع في موارد الدولة طيلة أربعة عشر عاماً، ولذلك، فإن ثورتهم المفاجئة ضد رئيس هيئة الرقابة ليست إلا محاولة بائسة للتغطية على الأرقام الصادمة والحقائق المخيفة والفساد الذي استشرى في البلاد وتضخم تحت أنظارهم وخلال فترة وجودهم في السلطة، إنهم يدركون أن فتح ملف الألف مليار يعني فتح كتاب تاريخهم السياسي بأكمله، وهو كتاب مليء بالإخفاقات التي يودون طمسها بإثارة الغبار حول قضايا هامشية.

إن رئيس هيئة الرقابة الإدارية، عبدالله قادربوه، قدّم عبر هذا التقرير خدمة جليلة للدولة الليبية، ليس دفاعاً عن شخصه، بل انحيازاً للمؤسسة التي تجرأت على نبش عش الدبابير، فلقد كشف التقرير عن رقم مخيف ومرعب زلزل ما تبقى من ثقة في الإدارة الليبية تجاوز الإنفاق العام عتبة الألف مليار دينار (ترليون دينار) منذ عام 2011 وحتى اليوم.

السؤال الجوهري الذي يتهرب منه ديناصورات السياسة، أين ذهبت الألف مليار دينار؟ وكيف تبخرت هذه الثروات الطائلة دون أن تُحدث أي فارق ملموس في حياة المواطن الليبي، بل على العكس تماماً، زادته قهراً، وعذاباً، وضيقاً في معيشته، وانعداماً في خدماته الأساسية من كهرباء وسيولة وصحة وتعليم؟

كان الأجدر بالمجلس، لو كان يملك ذرة من الإرادة السياسية الحقيقية أو الإحساس بآلام الشارع، أن يعقد جلسة تاريخية لمساءلة الحكومات والجهات التنفيذية ، التي شارك في تسميتها ومباركتها عن مصير “الألف مليار”، وأن يضع آلية لمحاسبة العابثين بأقوات الليبيين، أما الانكفاء على مناقشة “لقاءات وآليات مستهلكة واملف لمناصب السيادية للابتزاز كحجج للبقاء، فهو استمرار في ذات الدائرة المفرغة من تقاسم الغنائم السياسية بعيداً عن هموم المواطن.

إن إنصاف عبدالله قادربوه وهيئة الرقابة الإدارية اليوم لا ينطلق من باب التزلف لشخصه، بل من باب احترام المؤسسية وشجاعة المكاشفة، ولأن الرجل وضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية وفجر قنبلة رقمية كان يُراد لها أن تظل طي الكتمان حمايةً لعروش سياسية تآكلت شرعيتها منذ سنوات، أما المجلس الأعلى للدولة، فإنه بتركيزه على الشكليات، وانسياقه وراء رغبات عناصر نفعية فشلت في تحقيق مآربها الشخصية، وهروبه من مناقشة جوهر الفساد المالي الملياري، يثبت مجدداً أنه يعيش في وادٍ والمواطن المقهور في وادٍ آخر. إن الليبيين لم تعد تعنيهم المحاصصات ولا اللقاءات التشاورية العبثية، بل يعنيهم سؤال واحد ومباشر، من سرق الترليون دينار، وكيف يُسترد وطن يضيع بين مطرقة العبث المالي وسندان العجز السياسي؟

بقلم أسعد زهيو

رئيس حزب التجمع الوطني الليبي

You may also like