الأحد - 7 يونيو 2026
Home Featuredترف السلطة.. وحياة المواطن في العجز والمعاناة

ترف السلطة.. وحياة المواطن في العجز والمعاناة

by علي |

لا يمر أسبوع إلا وتطلّ علينا فيديوهات جديدة: أفراح أبناء المسؤولين ومهرجانات الخيول، مشاهد ليست مجرد مناسبات اجتماعية أو رياضية، بل عروض مدروسة لاستعراض الثروة، كأن كل صورة وفيديو تقول بصوت عالٍ: “نحن هنا.. ومش كيفكم”.

في حفلات الأفراح مثلاً، لم يعد الأمر مقتصراً على قاعة وفنان. صار هناك شركات متخصصة في كل شيء: شركة للتجهيزات، شركة للتوثيق بالتصوير والإضاءة، شركة للتنظيم واستقبال المدعوين والهدايا. معدات تُستأجر من الداخل والخارج، وقوائم طعام تُستورد خصيصاً. الفرح يتحول إلى مشروع اقتصادي ضخم يدر الملايين على شركات محدودة، ويمثل استعراضاً مقصوداً للثراء.

أما في الشرق، فالمشهد يختلف شكلياً لكنه متطابق في الجوهر: مهرجانات ومسابقات خيل. لا مكان هنا للتقشف أيضاً، مع استضافة ضيوف عالميين، جوائز ضخمة بالدولار، وبنية تحتية فارهة من إسطبلات ومدارس لتعليم الفروسية تكلف الملايين. النتيجة واحدة: استعراض للترف ورسالة صارخة مفادها أن السلطة لا ترى في المال العام سوى وقود لمجدها الشخصي.

المفارقة الموجعة أن هذا البذخ يُقام في بلد ما تزال مناطقه تعاني من مدارس بلا مقاعد، تلاميذ يقطعون مسافات طويلة بلا مواصلات، وخدمات تعليمية بالكاد تلامس الحد الأدنى. بلد فيه الكهرباء تنقطع ساعات طويلة، والمستشفيات تفتقر إلى أبسط المستلزمات. لكن من يعيشون في طبقة السلطة يعيشون في عالم موازٍ داخل وطن فقير.

المثير للانتباه أن المسؤول لا يخاف ولا يخجل من عرض هذه الثروات أمام الناس. على العكس، يتباهى بها كأنها غنيمة مشروعة. لماذا لا يعبأ برأي المجتمع أو يخاف من ردة فعله؟ ببساطة، تقديره للخطر لا يأتي من الداخل. فهو محاط بقوى أمنية تمنع عنه أي تهديد محلي، ما يجعل المجتمع عاجزاً عن التأثير في قراراته أو تحركاته. الخطر الحقيقي بالنسبة له يأتي من الخارج، من القوى الدولية التي تحدد استمراره في السلطة، لذلك يحرص دائماً على وجود حامٍ خارجي يسميه زوراً “حليفاً”، ويستثمر كل علاقاته للحفاظ على هذا الغطاء، بينما يغفل عن معاناة الأغلبية داخلياً.

إذا نحن أمام مشهد سياسي – اجتماعي موحَّد: لا فرق شرقاً وغرباً، عسكرياً أو مدنياً.
• مجتمع المال والنفوذ: أقلية، ربما تشكل 10–15%، تستعرض قوتها المالية بلا حرج.
• مجتمع الفقر والإنهاك: الغالبية الساحقة من السكان، ربما 85% أو أكثر، تعاني من تضخم الأسعار، انهيار التعليم، وتدني الخدمات، وتركض وراء لقمة العيش.

والإعلام؟ بدل أن يكون عين الناس ولسانهم، صار مجرد مهرج على مسرح الانقسام. بعد أن يلعب المسؤول في الميزانيات ويحوّلها بطرق مشروعة وغير مشروعة إلى شبكة مصالحه، يأتي دور الكلمة: شراء الإعلام، توظيف مدونين، بناء صفحات تأييد، وتكوين جيوش إلكترونية تعمل على حملات منظمة، إما للتلميع وإما للتشويه. المبلغ نفسه يُستثمر في سلوكيات مبتذلة، واغتيال معنوي للخصوم، وكأن الفساد لم يعد يقتصر على المال، بل امتد إلى الكلمة نفسها. إعلام لا يفضح ما يجري في معسكره، بل يتلذذ بالهجوم على المعسكر الآخر، وكأن المشكلة في الطرف الثاني فقط. إعلام اختار أن يكون جزءاً من لعبة التثبيت لا أداة للتغيير.

باختصار، لا فرق إن كان المسؤول يرفع شعار الحكم العسكري أو النموذج المدني. الكل يلتقي على نفس الطريق: إغراق الناس في تفاوت اجتماعي صادم، بينما ينشغلون هم باستعراض الثروة في الأعراس أو على صهوة الخيل.

التاريخ يقول إن المجتمعات التي تفقد التوازن بين السلطة والثروة، وتفقد مؤسساتها النقدية من تعليم وإعلام، تنزلق سريعاً إلى هاوية يصعب الخروج منها. والفرق عندنا أن هذا الانحدار يحدث على وقع موسيقى أفراح تُبث مباشرة على فيسبوك، أو زغاريد في مهرجان خيل تُصرف عليه ملايين، بينما المواطن يحرم من الصحة والتعليم والسكن وابسط ظروف الحياة الكريمة.

You may also like