Home Featuredمن يملك الثقافة؟

من يملك الثقافة؟

من يملك الثقافة؟

by اسماعيل كمال

معارض الكتاب ليست مجرد مكان لالتقاء الناشرين هدفُها الكسبُ الماديُّ، وهو حقٌّ مشروع، بل هي مهرجانات وفعاليات ثقافية وفكرية تُشكّل شرايينَ حيويةً تُجدّد وعي المجتمع وثقافته، وتبني رأسماله المعرفي. فأهمية معارض الكتاب للمجتمع تتجاوز الأبعاد التجارية قصيرة المدى؛ فهي فضاءات للتعايش الفكري، وقياسٌ لنبض الحراك الثقافي، ومؤشرٌ لمدى اهتمام الأمة بالمعرفة بوصفها قوةً ناعمةً، وهو ما يفيدها على المدى الطويل. إنها –أي معارض الكتاب– تُسهِم في خلق بيئة حاضنة للحوار، وترفع الذائقة العامة، وتُعزّز الهوية الثقافية في وجه طغيان الإعلام السريع، ونحن كليبيين في أمسّ الحاجة إليها.

وبناءً على هذه الأهمية الجذرية، فإن الجهة الأولى –أو ما يُفترض، وما درجنا عليه– في إقامة معارض الكتب هي بلا منازع وزارةُ الثقافة، وفي حالتنا الليبية: وزارة الثقافة والتنمية المعرفية، أو الهيئة الرسمية المعنية بشؤون الكتاب. فدورُها هو التخطيطُ الاستراتيجي، ورسمُ مالسياسات الثقافية، لدعم المنتج الثقافي الوطني، وتيسيرُ وصول الإنتاج المعرفي العالمي إلى المواطن، مستعينةً بأدوات الدولة في التنظيم والتمويل والترويج.

لكن ما شهدناه في طرابلس مؤخرا هو ظاهرة تُشير إلى خلل بنيوي عميق: غيابُ دور وزارة الثقافة وأسبابه.

هذا الغياب ليس مجرد تقاعس، بل هو نتاجُ ترهّلٍ مؤسساتيٍّ مزمن، وغيابٌ للرؤية والسياسة الثقافية الواضحة، وتهميشٌ للميزانيات المخصصة للثقافة مقابل الأولويات الأمنية والسياسية الملحّة.

هذا الفراغ خلق بيئةً مواتيةً لتبادل الأدوار بين وزارة الثقافة والنيابة العامة؛ إذ اضطُرّت مؤسسةٌ سيادية ذاتُ طابع قضائي وأمني، هي النيابة العامة، إلى ملء الفراغ، متحوّلةً من حماية القانون إلى حماية الوعي، ومن حفظ الأمن إلى حفظ الثقافة. وهذا التحوّل، وإن كانت نتيجته محمودةً من حيث توفيرُ الكتاب، فإنه دليلٌ قاطعٌ على ضعف الأداء الحكومي في قطاع يُفترض أن يكون واجهة الدولة الحضارية.

ويأتي هذا في ظل عدم إقامة معرض طرابلس الدولي للكتاب، الذي تواترت الأنباء في العام الماضي، 2024، حول إقامة دورته الثانية عشرة بعد توقّف دام أحد عشر عامًا. وقد تمكنت وزارة الثقافة من حلّ الإشكالات المتعلقة بالناشرين العرب، إلا أنها –وكما تواترت الأخبار– عجزت عن تأمين التغطية المالية اللازمة لإقامة المعرض.

أما السؤال الجوهري الذي يخصّ القارئ: هل يهمّه اللغطُ الحاصل حول معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في شيء؟

الجواب المختصر: لا.

إن هذا اللغط ضجيج إداري وسياسي محض، يتعلق بمن يمتلك حقّ التنظيم أو جني الفوائد الرمزية. أما بالنسبة للقارئ الحقيقي، فالأولويةُ المطلقة هي لوجود الكتاب وتوفُّرِه، وتنوّعِ العناوين، وجودةِ النشر، وسهولةِ الوصول. فإذا نجحت النيابة العامة في جلب كتبٍ لم يكن القارئ ليجدها، وفتحت له نافذةً على دور نشرٍ غابت طويلًا، فإنها تكون قد حقّقت الهدفَ الأسمى الذي عجزت عنه الجهةُ المنوط بها ذلك.

على القارئ أن يوجّه بوصلته نحو محتوى المعرض، لا هويةِ مُنظّمه. فالمعرفةُ هدفٌ نبيل، ومنارةٌ تستحق الإيقادَ والاستمرار، بغضّ النظر عن اليد التي حملت الشعلة. إن استمرار حركة الثقافة هو المكسب الحقيقي، والمنافسة –حتى لو جاءت من جهة غير متوقعة– قد تكون الوقودَ اللازم لإعادة تنشيط الوزارة الغائبة.

You may also like