في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية وسعي أوروبا لتقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية، تبرز ليبيا مجددًا كأحد المفاتيح الحيوية لأمن الطاقة في الغرب. وفق وكالة نوفا الإيطالية.
الاتفاقيات التي وقعتها مؤخرًا شركتا “بريتيش بتروليوم” و”شل” مع المؤسسة الوطنية للنفط، تمثل جزءًا من استراتيجية أوروبية أطلسية أوسع تهدف ليس فقط إلى تنويع مصادر الإمداد، بل أيضًا إلى كبح التمدد الصيني المتنامي في المنطقة. بحسب تحليل نشره موقع “أويل برايس”.
وتشمل الاتفاقيات إعادة تأهيل حقلي السرير ومسلة في حوض سرت، بالإضافة إلى تقييم مكامن غير تقليدية، ما يعكس زخمًا متجددًا للاستثمارات الغربية في البلاد.
ويشير التقرير إلى أن وجود شركات النفط الكبرى في ليبيا لا يقتصر على الإنتاج، بل يمتد ليشمل بعدًا أمنيًا وبنيويًا، يُمكّن هذه الشركات من العمل ضمن بيئة قانونية تمنحها حماية شبيهة بالبعثات الدبلوماسية، وفقًا لتصاريح تصدرها الحكومة المضيفة، في مشهد يعيد للأذهان نموذج شركة الهند الشرقية البريطانية.
وتزامن هذا التحرك مع إعلان المؤسسة الوطنية للنفط، في مارس الماضي، عن مناقصة دولية طموحة لاستكشاف وتطوير 22 منطقة، نصفها بحرية، بموارد تقديرية تصل إلى 18 مليار برميل مكافئ.
وقد أبدت أكثر من 40 شركة اهتمامها، من بينها كبرى الشركات مثل “إيني”، “ريبسول”، “كونوكو فيليبس” و”أو إم في”، كما أعلنت “بي بي” عن استثمار بقيمة 3.5 مليار دولار، فيما وقعت “شل” مذكرة تفاهم لتطوير حقل العطشان ومناطق أخرى.
لكن هذه العودة الاستراتيجية لا تخلو من تحديات داخلية. إذ يرى فرانشيسكو ساسي، محلل سياسات الطاقة، في مقابلة مع “وكالة نوفا”، أن حالة الانقسام السياسي في ليبيا تؤدي إلى تآكل السيطرة المركزية على الموارد، مشيرًا إلى حالة شركة “أركينو” التي تعمل – بحسب مصادر متعددة – خارج مظلة المؤسسة الوطنية للنفط. ويرى ساسي أن هذا التفكك يهدد بفرض عقوبات دولية، ويُبرز غياب رؤية أوروبية متماسكة تجاه ليبيا، مع توفر رغبة جامحة في الاستفادة من مواردها.
ورغم أن إنتاج النفط الليبي لم يستعد بعد مستوياته السابقة لعام 2011 (1.65 مليون برميل يوميا)، تشير التقديرات إلى إمكانية بلوغ 1.6 مليون برميل بحلول 2026-2027، في حال تحقق الاستقرار وتم تأمين استثمارات بقيمة 3 إلى 4 مليارات دولار. إلا أن ساسي يحذر من أن “المشكلة ليست في جذب الأموال، بل في قدرتها على البقاء والصمود في بيئة سياسية متقلبة”. ويختتم بالقول: “من دون نضج سياسي، لن يصبح الغاز الليبي بديلًا موثوقًا للغاز الروسي”.