من صورة عابرة على فيسبوك إلى حملة تضامن واسعة، تحوّلت قصة شاب من مدينة أجدابيا كان ينظر إلى “بدلة عرس” في أحد المحلات بالمدينة، إلى مبادرة مجتمعية، بعدما بادرت صفحات بمنصات التواصل الاجتماعي بإطلاق دعوات لدعم الشاب وتقديم “الفزعة” له، في مشهد يعكس جانباً من التكافل الاجتماعي الذي يبرز كلما غابت مؤسسات الدولة عن أداء أدوارها.
صورة الشاب انتشرت بسرعة عبر الصفحات، حيث تفاعل المئات من النشطاء وصفحات المحال التجارية مع الدعوة، معلنين استعدادهم للمساهمة في تزويج الشاب وتغطية تكاليف زفافه.
مبادرات وحملات
لم تكن هذه الحملة الأولى من نوعها، لكنها تجسد ظاهرة آخذة في الاتساع داخل المجتمع الليبي، حيث باتت مثل هذه المبادرات تسد فراغ الدولة في ملفات اجتماعية حساسة، أبرزها ملف الزواج وتيسير تكاليفه.
أزمة الشباب
ورغم أن ليبيا بلدٌ شابٌّ بامتياز، بنسبة تقارب 40% وفق بيانات هيئة المعلومات والتوثيق عن العام الماضي 2024، فإن هذه الفئة تعاني من غياب الدعم الحكومي وضعف الفرص الاقتصادية، ما يجعل الزواج تحدياً كبيراً في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
فقد أصبحت تكاليف الإيجار وتأثيث المنازل والمهر أعباء تفوق قدرة الكثير من الشباب، ما دفع عدداً منهم إلى اللجوء إلى منصات التواصل الاجتماعي لطلب المساعدة من المسؤولين أو التعبير عن معاناتهم، في مشهد يعكس حجم العجز الرسمي في توفير حلول واقعية لهذه الفئة.
منح معلقة
في عام 2021، أطلقت حكومة الوحدة صندوق دعم الزواج ضمن سلسلة مبادرات وصفت حينها بالتسويق السياسي، وقد خصصت له ميزانية أولية قدرها مليار دينار ليبي، ثم ضاعفتها لاحقاً إلى ملياري دينار، مع تغطية إعلامية واسعة أبرزها “العرس الجماعي” في طرابلس.
ورغم الزخم الذي رافق هذه الخطوة حينها، فإن عمل الصندوق تعثر مع مرور الوقت، وسط غياب الشفافية وضعف المتابعة، في حين ظل آلاف الشباب ينتظرون دورهم للحصول على المنحة الموعودة.
وفي المقابل، تتخذ المبادرات في المنطقة الشرقية شكلاً مغايراً، حيث يتولى أبناء حفتر ومسؤولون وقيادات مقربة منه تغطية تكاليف زواج عدد من الشباب، في إطار ما ينظر إليه على أنه تسويق سياسي واجتماعي أكثر منه حلاً مستداماً لأزمة حقيقية.
فبينما تسعى هذه المبادرات لإظهار الدعم المجتمعي، تبقى المنح المعلقة دون رؤية واضحة أو استراتيجية طويلة الأمد تعالج جذور المشكلة، في ظل غياب دور الدولة في تبني سياسات مستقرة لتيسير الزواج وتحسين أوضاع الشباب الاقتصادية.
تضامن افتراضي
في المقابل، لجأ المواطنون إلى أدواتهم الخاصة من صفحات التواصل الاجتماعي المحلية إلى المبادرات التطوعية لمدّ يد العون لمن يعجز عن إتمام زواجه.
حملات “الفزعة”، وهاشتاغات الدعم، والمساهمات الفردية عبر الإنترنت أصبحت بديلاً مجتمعياً عن الدعم الرسمي الغائب، ومؤشراً على تحوّل مواقع التواصل إلى منصات للخير والتضامن.
اليوم وبينما تتجدد قصص التكافل المجتمعي، يبقى السؤال المطروح، هل ستبقى المبادرات الشعبية البديل الدائم لسياسات الدولة الغائبة؟