تخطو بعثة الأمم المتحدة في ليبيا خطوة جديدة باتجاه إعادة تنظيم المشهد السياسي المعقد، معلنة قرب انطلاق مرحلة “الحوار المهيكل” خلال شهر نوفمبر المقبل.
هذه الخطوة تأتي بعد مشاركة نحو 460 شخصية ليبية في محادثة رقمية عبر الإنترنت مع نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام ستيفاني خوري، ما يعكس رغبة أممية في توسيع دائرة التشاور وضمان إشراك أطياف أوسع من المجتمع.
محاور الخطة
المحاور الأربعة التي حددتها البعثة للحوار تظهر تركيزاً على ملفات تمثل جوهر الأزمة الليبية منذ أكثر من عقد، الحوكمة والسياسات العامة ترتبط بغياب مؤسسات تنفيذية موحدة، بينما يعكس إدراج الأمن استمرار الانقسام العسكري وتهديداته.
أما الاقتصاد فيقف في قلب التجاذبات، خصوصاً ما يتعلق بإدارة العوائد النفطية والإنفاق العام، ويكتمل الإطار بملف حقوق الإنسان والمصالحة الوطنية، الذي يشكل الامتحان الأصعب لأي عملية سياسية تبحث عن شرعية مجتمعية.
إصرار الأمم المتحدة على المضي في تنفيذ خارطة الطريق يشي بمحاولة تجاوز حالة الجمود السياسي، التي عطلت الوصول إلى الانتخابات، رغم كثافة المبادرات الدولية والإقليمية السابقة.
إطار زمني
وتبدو مهلة الـ4 إلى 6 أشهر للحوار المهيكل، ضمن إطار زمني أوسع بين 12 و18 شهراً لتنفيذ الخارطة، رهناً بمدى تجاوب الأطراف الليبية، لا سيما اللاعبين المؤثرين الذين ما زال توافقهم غائباً.
خارطة الطريق
إحاطة المبعوثة الأممية، هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 21 أغسطس الماضي كشفت عن تصور أممي يسعى لتدرج سياسي ينتهي بانتخابات وطنية تقبل نتائجها جميع الأطراف، غير أن الطريق إلى ذلك لا يبدو مستقيماً أو سريعاً، فالتحديات على الأرض ما زالت قائمة، من الانقسام المؤسساتي في الشرق والغرب، إلى معضلة الشرعية السياسية وتدخل الأطراف الخارجية في التموضع المحلي.
رهان صعب
ورغم أن الحوار المهيكل يمثل محاولة تفاعلية أكثر شمولاً، فإن التجربة الليبية السابقة مع الحوارات والمفاوضات تثير هواجس حول قدرتها على تحويل النتائج النظرية إلى تنفيذ واقعي، في ظل غلبة المصالح الحزبية وتراجع الثقة بين الفرقاء.
غير أن نجاح هذه الخطوة الأممية يظل مرهوناً بمدى قدرة الحوار المهيكل على تحقيق توافقات صلبة لا تتفكك عند أول اختبار على الأرض، فالسؤال الجوهري يبرز حول مدى قدرة البعثة على إشراك جميع الفاعلين المؤثرين في العملية السياسية، من دون إقصاء أو تغوّل طرف على حساب آخر، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً للإرادة الوطنية.
لحظة فاصلة
كما تطرح المرحلة القادمة تساؤلات بشأن امتلاك الحوار المهيكل آليات فعالة للضغط على الأطراف المتشددة، وتجاوز الاكتفاء بالتعهدات اللفظية التي لم تصمد في تجارب سابقة، ويظل التحدي الأعمق مرتبطاً بقدرة هذا المسار على إنهاء حقبة انتقالية طالت أكثر من المتوقع، ووضع الليبيين أخيراً أمام استحقاق انتخابي واضح يفتح الباب للاستقرار وتوحيد المؤسسات.
ومع اقتراب نوفمبر تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه جلسات الحوار المقررة، بين آمال بمسار سياسي منتج وتخوّفات من تكرار سيناريوهات التأجيل والانسداد. ويبقى مستقبل ليبيا رهناً بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشكل فعلاً بداية نهاية الأزمات، أم محطة جديدة في طريق لا يزال ممتداً.