Home Featuredالكهرباء في ليبيا.. مسرحية الإقالات تتكرر والجمهور في الظلام

الكهرباء في ليبيا.. مسرحية الإقالات تتكرر والجمهور في الظلام

by هبة العماري

الصيف في ليبيا بات موسماً لإعادة عرض المشهد نفسه: عجز كهربائي خانق، وغضب شعبي متفاقم، ثم قرار سياسي سريع يقيل رئيس الشركة العامة للكهرباء. وهكذا، يهدأ الشارع مؤقتاً… إلى أن تعود الأزمة في العام التالي.

 

لعبة الإقالات

 

في أغسطس الماضي أُقيل وئام العبدلي من إدارة الشركة العامة للكهرباء في طرابلس، وفي أغسطس الحالي تكرر المشهد ذاته في بنغازي. نفس الرجل، ونفس القرار، وفي التوقيت نفسه. يوظف الساسة ورقة الإقالة كحلٍّ شكلي، محملين المدير العام كامل المسؤولية عن أزمة أعمق من مجرد إدارة، ومسوّقين الأمر للرأي العام باعتباره مخرجاً سريعاً.

 

استهلاك بلا ضوابط

 

المشكلة لا تتعلق بالأسماء فقط، بل بالأرقام أيضاً.

الكهرباء في ليبيا تُعد الأرخص في المنطقة بسبب الدعم الحكومي الواسع واعتماد الدولة على النفط، ما جعل التعرفة شبه رمزية. النتيجة: استهلاك يفوق بكثير قدرات الشبكة.

 

هذا الوضع لا يُلام عليه المواطن وحده، فهو نتاج سياسة تسعير لم تواكب التغيرات. ففي حين اعتمدت دول مثل مصر وتونس نظام الشرائح الذي ترتفع فيه الأسعار بارتفاع الاستهلاك، مما ساعد على ترشيد استخدام الطاقة، بقيت ليبيا خارج هذه المنظومة.

 

حتى بعض المستثمرين الأجانب وجدوا في هذا الواقع فرصة، فنقلوا أنشطتهم إلى ليبيا للاستفادة من الطاقة الرخيصة مقارنة ببلدانهم. لكن في النهاية انعكس ذلك بضغط إضافي على شبكة منهكة أصلاً.

 

محطات بلا رؤية

 

رغم امتلاك ليبيا أكثر من 13 محطة كهرباء، إلا أن غياب التخطيط الاستراتيجي أبقى الأزمة مستمرة. فبناء محطة جديدة يحتاج إلى عامين أو ثلاثة في الظروف الطبيعية، بينما في ليبيا قد يمتد الأمر إلى خمس سنوات أو أكثر بسبب التعثر السياسي والإداري والظروف الأمنية.

 

نزيف بلا إنارة

 

بين عامي 2012 و2017 وُقّعت عقود في قطاع الكهرباء بقيمة 90 مليار دولار، لم يُصرف منها سوى 30 ملياراً. وفي عام 2024 وحده صُرف 12.4 مليار دولار، بينما لم تتجاوز قيمة العقود الجديدة ملياري دولار فقط.

وبحسبة إجمالية، فإن ما يقارب 58 مليار دولار أُنفقت فعلياً خلال العقد الأخير، دون أن تحقق كهرباء مستقرة.

 

في مشهد مكرر، تُطلق وعود بالتحسن، ومع اعتدال الطقس يتراجع الضغط على الشبكة فيُسوَّق الأمر وكأنه إنجاز. لكن سرعان ما يعود الصيف التالي، فتنهار المنظومة من جديد، ويبدأ السيناريو ذاته من أول السطر.

 

ضرورة الإصلاح

 

ما يعرفه الليبيون جيداً أن جوهر أزمة الكهرباء لا يُعالج بالإقالات ولا بتغيير الأسماء، بل يتطلب إصلاحات جذرية في سياسات التسعير والتخطيط والإنتاج. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى العتمة تتكرر عاماً بعد عام، فيما يظل الجمهور في الظلام.

You may also like