Home وجهة نظرفي ذكرى سبتمبر.. بين خبزة الأمس وفوضى اليوم

في ذكرى سبتمبر.. بين خبزة الأمس وفوضى اليوم

by علي |

في ليبيا، الحنين إلى الماضي لا يحتاج إلى فلسفة. يكفي معرفة أن زمان كان في أمن، المرتب يوصل آخر الشهر، والخبز رخيص.

أما اليوم، فالشعارات المرفوعة تبدو وعودا براقة: مشاريع إعمار في الشرق، عودة الحياة في الغرب، ما يسمى الحكم المدني في الغرب، الحكم العسكري بالجيش والشرطة في الشرق والجنوب… لكن الواقع أقرب للكاريكاتير: لا حكم مدني حقيقي، ولا جيش وشرطة مؤسسية، بل ولاءات عائلية، مجموعات مسلحة، وميادين تهريب ما بين النفط والمال والسلاح.

النتيجة؟ المواطن لا يفكر في السياسة من زاوية المشاركة أو الواجب الوطني، بل يفكر مثل بائع خبز: ماذا سيقدم لي هذا النظام اليوم؟ أمن، مرتب، واستقرار اقتصادي. إن وجدها، فهو “نظام جيد”. إن غابت، فلا فرق بينه وبين الطاغية القديم، سوى أن الطاغية كان صريحا في استيلائه على حياتك وتأمين الحد الأدنى من المعيشة.

اليوم، المشهد السياسي والاجتماعي يشبه مسرحية عبثية: مجموعات مسلحة تتحكم في القرار، لوبيات فساد تأكل الدولة، وزواج غير شرعي بين السلاح والمال يجعل الجميع متورطين في كارثة واحدة.

في هذه الفوضى، يبدو الماضي أكثر بساطة، لأنه كان “وجها واحدا” على الأقل واضحا في قراراته، بينما اليوم ألف وجه ينهبك قبل أن تعرف اسمه.

هناك من يعيد سرد الماضي وكأن الأيام القديمة كلها أمن واستقرار وبساطة، مستخدمين ذكريات مختارة تجعل الحاضر يبدو أكثر تعقيدا وفوضى.
الناس تصفق، لأن المقارنة اليوم صارت بين خبزة أرخص بالأمس وخبزة غالية اليوم، والواقع المعاش يفوق تلك المقارنات الاختزالية.

المفارقة أن معظم الشباب الذين يرفعون راية النظام السابق الخضراء لم يعايشوا تلك الحقبة أصلاً. كل ما يعرفونه أنهم اليوم ضائعون بين سلاح لا يرحم وفساد لا يشبع وعائلات وجهويات تلتهم، فيستعيرون من الكبار ذاكرة منتقاة، تلمّع الماضي وتخفي الكثير من الانتكاسات والانتهاكات والعبث والعشوائية، فتبدو الأيام القديمة وكأنها “أيام أمن واستقرار”، والشعار الأخضر يختصر كل شيء.

لا ينظر المواطن الليبي اليوم إلى الشعارات أو المصطلحات السياسية. اهتمامه ينحصر في يومه: هل سأصل للبيت بلا خوف؟ هل سأجد لقمة تكفيني اليوم؟ هل سيصل المرتب قبل أن تبتلع الفوضى كل شيء؟ هل هناك منحة أو دولار على كتيب العائلة ليحسن من الحالة المعيشية؟

كل شيء آخر مجرد ضجيج، فالتدخلات الخارجية تحدد من يحكم، نهب المال العام يرفع سعر المعيشة، والفوضى الأمنية تجعل الشارع ساحة قتال يومية. في ظل هذا الواقع، يصبح الحنين إلى الماضي، حتى لو كان مجرد شعار أخضر وذكريات بسيطة عن الأمن والخبز والمرتب، أكثر منطقية وفهما لدى قطاعات اجتماعية مختلفة من أي وعود حالية.

ليس حبا في الراية الخضراء، بل كرها للحاضر العبثي. كره يجعل الناس يفضلون سجنا كبيرا مألوفا على فوضى عارمة، حتى لو لم يعرفوا ماضيهم إلا من خلال صور وأغاني وحكايات الكبار.

الحقيقة أن الطغاة لا يموتون حين يسقطون، بل حين يتعلم الناس أن الخبزة وحدها لا تكفي لتسويغ التخلف، وأن الشعار الأخضر لا يمكنه أن يحمي المعدة أو الطريق.
وأن الرايات، مهما كان لونها، لا تؤسّس الدول، بل التحولات الفكرية والاجتماعية المبنية على أسس حضارية، لن يخرج الليبيون من دوامة الفوضى إلا حين يتعلمون أن التاريخ ليس جدارا يعلّقون عليه حنينهم، بل تجربة يجب فهمها وتجاوزها.

You may also like