تتسارع التحركات الغربية في المشهد الليبي بين نشاط أمريكي متنامٍ وتحركات بريطانية متزايدة، في سباق يبدو أنه يتجاوز مجرد استقرار ليبيا إلى إعادة رسم خطوط النفوذ داخل بلد يشهد هشاشة سياسية وأمنية مزمنة.
الوجود البريطاني
خلال الأشهر الماضية، تكثف الوجود البريطاني في ليبيا بشكل واضح، فقد كشفت تسيير رحلات جوية عسكرية متكررة بين بريطانيا ومطاري مصراتة وطرابلس، ضمن ما تصفه لندن بالدعم اللوجستي والتعاون الأمني، كما نفذت فرق بريطانية تدريبات عسكرية لقوات خاصة في غرب البلاد بحسب مصدر من القاعدة الجوية لفواصل.
وفي سبتمبر الماضي، زار وفد بريطاني رفيع المستوى برئاسة كبير مستشاري وزارة الدفاع لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الأدميرال إدوارد ألغرين، العاصمة طرابلس، حيث التقى رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، في زيارة لم يُعلن عن مدتها أو تفاصيل مباحثاتها بشكل رسمي، ما يعكس حساسية التحركات البريطانية في الملف الليبي.
ارتبطت تلك التحركات بعد تصريح لوزير الدفاع البريطاني السابق منذ سنوات حذر فيها من تزايد النفوذ الروسي في ليبيا، داعيا بأن يستفز هذا الأمر القيادة البريطانية لتغير نظرتها حيال هذا التهديد في إشارة إلى تنافس خفي على النفوذ الأمني والعسكري في البلاد.
المجال المالي
أما في المجال المالي، فقد كانت بريطانيا شريكا وثيقا للإدارة السابقة لمصرف ليبيا المركزي برئاسة الصديق الكبير، خاصة في ملف طباعة العملة وتقديم الدعم الفني، قبل أن يتراجع هذا النفوذ بشكل تدريجي مع تعيين المحافظ الجديد ناجي عيسى، الذي بات ينسق بشكل أوسع مع الجانب الأمريكي.
وتجلّى ذلك عندما وقّع المركزي مؤخرا عقداً مع شركة K2 Integrity الأمريكية، المتخصصة في استشارات المخاطر والمراقبة المالية، وأيضا برز في سلسلة اجتماعات عقدها عيسى مؤخرًا مع مسؤولين في وزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي، في مؤشر على انتقال مركز الثقل الاقتصادي في ليبيا من لندن إلى واشنطن ما سبب انزعاجًا من الجانب البريطاني بحسب مصدر مقرب من المركزي لفواصل خصوصا عندما فقدت إحدى أقوى وأهم أوراقها في المشهد الليبي.
مشهد متقاطع
في المحصلة، تكشف التحركات الأمريكية والبريطانية في ليبيا عن مشهد تتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية أكثر مما تتكامل فيه الرؤى السياسية.
وبينما تحاول واشنطن تثبيت حضورها عبر دعم توحيد المؤسسة العسكرية وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد، في مجال النفط والغاز، تسعى لندن إلى استعادة نفوذها التاريخي من خلال أدوات لوجستية واقتصادية وسياسية أكثر مرونة.
ورغم أن الطرفين يرفعان شعار “استقرار ليبيا”، فإن اختلاف أدوات المقاربة بينهما يثير تساؤلات حول طبيعة التنسيق الحقيقي بين العاصمتين: هل هو تكامل في توزيع الأدوار، أم تنافس صامت على إعادة رسم خارطة النفوذ داخل ليبيا؟