في مقال بعنوان “شراكة ليبيا مع الولايات المتحدة: تحقيق مكاسب ملموسة من أجل السلام والأمن والازدهار – لحظة حاسمة في مرحلة انتقال ليبيا”، نشر عبر شركة ميكوري للشؤون العامة الأمريكية.
وتختص شركة ميكوري بالاستشارات في المجالات السياسية والإعلامية، وتأسست عام 1999، وتقدم خدمات استراتيجية تشمل العلاقات الحكومية، وإدارة الأزمات، والحملات الإعلامية، وأبحاث الرأي العام، والشركة جزء من مجموعة “أونيكوم”.
مقال: عبد الحميد الدبيبة – رئيس حكومة الوحدة
لأكثر من أربعة عشر عامًا، كانت ليبيا ساحة مفتوحة للتجارب السياسية الدولية، تميزت بمبادرات متكررة، ومهام مؤقتة، واتفاقيات مرحلية فشلت في تحقيق استقرار دائم أو بناء مؤسسات قادرة على تطبيق حكم القانون.
لم تكن هذه المرحلة الطويلة مجرد نتاج للانقسامات الداخلية، بل هي نتيجة تراكمية للنهج الدولي الذي أعطى الأولوية لإدارة الأزمات بدلًا من حلها، وللإجراءات الشكلية بدلًا من النتائج الملموسة، وقد سمحت هذه الظروف لشبكات موازية للسلطة – تجمع بين الموارد الاقتصادية غير المشروعة والقدرات المسلحة – بالتغلغل في مؤسسات الدولة، ما أضعف عملية اتخاذ القرار المركزي، والنتيجة كانت استمرار المرحلة الانتقالية وترسيخ واقع سياسي هش يكرّس عدم الاستقرار.
تُظهر التجارب الإقليمية الحديثة أن الحلول القابلة للتنفيذ لا تبدأ بالضرورة كأطر طويلة الأجل، بل تستمد قيمتها من قدرتها على خلق “لحظة اتفاق” قادرة على تغيير مسار الصراع.
في هذا السياق، يُظهر الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا كيف يُمكن للتفاهمات السريعة والاتفاقيات المباشرة أن تُحقق اختراقات سياسية قصيرة الأجل وتُعيد ترتيب الأولويات الأمنية والاقتصادية، حتى وإن كانت هشة هيكليًا، هذا النهج – الذي يجمع بين الضغط السياسي الحاسم وحوافز الاستثمار – ذو أهمية خاصة بالنسبة لليبيا، حيث يُمكن للاتفاقيات المُحددة والمدعومة سياسيًا أن تُعيد ضبط المعادلة وتمهد الطريق نحو استقرار ملموس.
في السنوات الأخيرة، شهدت ليبيا تحولاً استراتيجياً من الاعتماد الحصري على العمليات المفتوحة بقيادة الأمم المتحدة إلى تفاهمات مباشرة مع جهات إقليمية فاعلة.
وفي هذا الإطار، وضعت حكومة الوحدة خطة استراتيجية مع شركاء مثل تركيا وإيطاليا وقطر للحد من الهجرة غير النظامية من خلال تعزيز إنفاذ القانون على الحدود، واستخدام أدوات تقنية متطورة، وآليات عودة سريعة، وتفكيك شبكات التهريب على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وتتجاوز هذه الخطة مجرد استجابة أمنية؛ بل هي رؤية أوسع نطاقاً لتحويل ليبيا من نقطة عبور غير منظمة إلى منصة للتعاون الأمني والاقتصادي، تحقق نتائج ملموسة، وتقدم نموذجاً إقليمياً يجمع بين الردع والتنمية.
في صميم هذه الرؤية يكمن ثالوث استراتيجي واضح: ترسيخ سلطة الدولة الشرعية من خلال توحيد قوات الأمن وتعزيزها تحت قيادة واحدة؛ ومكافحة الاقتصاد الموازي والشبكات غير المشروعة التي تقوض الاستثمار والثقة؛ وتفعيل مؤسسات العدالة والحوكمة لضمان المساءلة والشفافية، هذه ليست شعارات سياسية، بل شروط أساسية لأي انتقال نحو “ليبيا مربحة وفعّالة”، وأساس لشراكات مثمرة مع الولايات المتحدة أو حلفاء آخرين.
من السيادة القابلة للتنفيذ إلى الفرصة الاقتصادية
اقتصاديًا، وضعت الحكومة رؤية شراكة بقيمة 70 مليار دولار تشمل الطاقة والمعادن والبنية التحتية والتجارة عبر البحر الأبيض المتوسط. وقد بدأت هذه الرؤية تتبلور، لاسيما من خلال مذكرة التفاهم التي وقعتها المؤسسة الوطنية للنفط مع شركة إكسون موبيل لمشاريع الطاقة الاستراتيجية، وعقد تطوير المنشآت البحرية بقيمة 235 مليون دولار للهيكلين “أ” و”هـ” الموقّع مع شركة هيل إنترناشونال الأمريكية.
تُرسل هذه المشاريع إشارات سوقية قوية، وتربط ليبيا بسلاسل التوريد العالمية، وتُثبت أن السيادة القابلة للتنفيذ يمكن أن تُترجم مباشرةً إلى فرص عمل ونمو، مما يُحقق عوائد ملموسة للاقتصاد الأمريكي، مع تعزيز الأسس السيادية لليبيا.
برهنت الحكومة أيضًا على كفاءة إدارة الأزمات من خلال خطة “عودة الحياة” التي أُطلقت عام 2021، والتي عالجت نقص السيولة وانقطاع الكهرباء، وحسّنت الوضع الأمني، وشملت إصلاحات القطاع الأمني نزع سلاح الميليشيات غير الشرعية، وتفكيك الشبكات المالية غير المشروعة، ودمج المقاتلين السابقين في المؤسسات الرسمية تحت قيادة موحدة، مما أدى إلى الحد من العنف وتمكين وزارتي الدفاع والداخلية من أداء واجباتهما السيادية بفعالية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تم تعزيز هذه الرؤية من خلال المشاركة المباشرة في واشنطن، مما أدى إلى إبرام اتفاقيات لفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والأمن؛ وإعادة استثمار أصول هيئة الاستثمار الليبية المجمدة منذ 14 عاما؛ وإنشاء إطار برلماني ثنائي الحزب بين الولايات المتحدة وليبيا؛ والحد من الهجرة غير النظامية؛ وتوسيع شراكات الغاز والطاقة لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي؛ وتعميق التعاون الاستخباراتي ضد الإرهاب.
تحقيق انتصارات ملموسة من أجل السلام والأمن والازدهار
رؤيتنا لشراكة ليبيا مع الولايات المتحدة تُحددها نتائج ملموسة وقابلة للقياس، إنها علاقة مبنية على تحقيق مكاسب ملموسة من أجل السلام والأمن والازدهار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بدءًا من الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية وتفكيك الشبكات الإجرامية، وصولًا إلى توسيع إمدادات الطاقة لأسواق الحلفاء، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، هذه نتائج قابلة للقياس الكمي، والتواصل، والبناء عليها، مما يُحوّل الالتزامات الدبلوماسية إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
إن دعم سيادة ليبيا، وتعزيز التوافق الوطني، والتحرك بحزم ضد المفسدين، من شأنه أن يُمهّد الطريق لاتفاق سلام تاريخي يُنسب إلى الإدارة الأمريكية بعد أربعة عشر عامًا من الانقسام وعدم الاستقرار، وسيكون هذا السلام ثمرة مسار يربط الأمن بالتنمية، ويمنح ليبيا استقرارًا مستدامًا، ويُقدّم مثالًا واقعيًا على كيف يُمكن للعمل الميداني الحاسم والاتفاقات السياسية القابلة للتنفيذ أن تُشكّل إنجازًا واحدًا.
إن هذا ليس نداءً مثالياً بل اقتراح لشراكة قائمة على النتائج: ليبيا لا تسعى للحصول على قوات أميركية أو تمويل فيدرالي مباشر، لكنها تقدم صفقات تجارية آمنة تولد عقوداً ووظائف للشركات والعمال الأميركيين، مع تعزيز أمن الطاقة، والحد من الهجرة غير النظامية، ووضع ليبيا في قلب الاستقرار الإقليمي كجسر بين أفريقيا وأوروبا، ومصدر موثوق للطاقة، ونموذج لإعادة الإعمار بعد الصراع.